أحمد بن علي القلقشندي
22
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الصنف الثامن - التهنئة بولاية الديوان ( 1 ) . رقعة من ذلك : وينهي أنّ من حلّ محلّ مولانا - أطال اللَّه بقاءه رافلا في لبوس السّعادة ، متحفّلا بسلوس السّيادة ، متنقّلا في رتب المجد ، متوقّلا إلى غدن ( 2 ) الجدّ ، مستوليا على شعاب العلا ، متمكَّنا من رقاب الأعداء - في الاستقلال والاضطلاع ، والمعرفة بحقوق الاصطفاء والاصطناع ، ورفعة مذهبه على الكفاية والغناء ، والنهوض بثقيل الأعباء ، خطبته التصرّفات حاملة عنه صداقها ، وتشوّفته الولايات مادّة إليه أعناقها ، وقد اتصل بالمملوك ما جدّده اللَّه تعالى من سعادته ، وأنجزه من مواعيد سيادته ، الَّتي كانت واضحة في مخايل فضله ، لائحة في دلائل نبله ، مكتوبة في صفحات الأقدار ، مرقومة بسواد اللَّيل على بياض النهار ، فجذل المملوك بذلك ، جذل الحميم المشارك ، وسرّبه سرور الخليط المشابك ، وليس ذلك لأنّ الذي تولَّاه مولانا وجد [ فيه ] خللا فرقعه ، وخمولا فرفعه ؛ بل لأنّ الحقّ غالب الحظَّ فغلبه ، والواجب سالب الممكن
--> ( 1 ) المقصود بالديوان ديوان الإنشاء ، وهو اسم مركّب من مضاف ، وهو الديوان ، ومضاف إليه ، وهو الإنشاء . وديوان الإنشاء أول ديوان وضع في الإسلام ، وذلك أن النبيّ ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، كان يكاتب أمراءه ويكاتبونه . وفي عهد بني أمية كان يتولَّى أمر ديوان الإنشاء كاتب . وفي عهد بني العباس كان هذا الديوان يضاف تارة إلى الوزارة فيكون الوزير هو الذي ينفّذ أموره بقلمه ، وتارة يفرد عنه بكاتب ينظر في أمره . ولما استولى المغول على بغداد سنة 656 ه بطل رسم الكتابة المعتبرة ، وصار أكثر ما يكتب عن ملوك التتار بالفارسية أو المغلية . وكذلك صرف الفاطميون ، في الديار المصرية ، عنايتهم لديوان الإنشاء وكتّابه ، ولم يتغيّر الوضع في أيام الأيوبيين ولا في عهد الدولة التركية . وكان صاحب الديوان رفيع القدر ، لا يكون عند الملك أخصّ منه ولا ألزم لمجالسته ، ولم يزل معظَّما عند الملوك في كل زمن ، مقدّما لديهم على من عداه . لقّب متولَّيه بصاحب ديوان الرسائل أو متولَّي ديوان الرسائل ، وربما قيل : صاحب ديوان المكاتبات ، أو متولَّي ديوان المكاتبات . وفي زمان القلقشندي كان الديوان بالديار المصرية مشهورا بديوان الإنشاء ، لذا لقّب متولَّيه بصاحب ديوان الإنشاء . انظر ج 1 من هذا المطبوع ص 89 - 97 ، 101 - 153 . ( 2 ) الغدن ، بالفتح : النعمة واللين . القاموس المحيط ( غدن ) . والجدّ ، بفتح الجيم : الحظَّ والبخت والرزق والحظوة ، والجمع الجدود . القاموس المحيط ومختار الصحاح ( جدد ) .