أحمد بن علي القلقشندي

219

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فيه برسوم تشتمل عليها ، نعم ولا أن نقدّم له مقدّمة تكون توطئة لما بعدها ، كما يجري الأمر في سائر فنون المكاتبات الأخر الَّتي لا تخلو من مقدّمات تحلّ منها محلّ الأساس من البنيان ، والرأس من الجثمان ، لكن المقدّمات الَّتي توضع في الكتب من شرطها أن تكون مشتقّة من نفس معنى الكتاب ، ومنهي الخبر لا يمكنه أن يستنبط من كل خبر ينهيه مقدّمة تكون باسطا له ، وإنما يقول : كتبت من موضع كذا يوم كذا ، والذي أنهيه كذا ، بل الذي يلزمه أن يتحدّاه بطاقته ، ويتحرّاه بجهده ، أن يبيّن ما يطالع به من الأخبار ، ويكشفه ويوضّحه ويفصح عنه ، ولا يقف منه إلَّا عند الشفاء والإقناع لتتقرّر صورته في نفس من ينهيه إليه ، اللهم إلَّا أن يكون الخبر مما يوجب الأدب العدول عن لفظه الخاصّ به ، والإخبار عنه بألفاظ تؤدّي معناه ، ولا يهجم على المخبر بما يسوء سماعه ، كأن يكون خبرا يرفعه إلى سلطان ( 1 ) عن عبد له قد أطلق فيه ما يضع منه ويسقط مهابته ، أو نحو من ذلك مما يثقل على السلطان المنغص منه ، فإنه ينبغي أن يعدل في هذا وأمثاله عن التصريح إلى التعريض ، ومن التصحيح إلى التّمريض ، وعن المكاشفة إلى التّورية ، وأن يأتي بألفاظ تدلّ على معاني ما يروم إبداءه ، ويحرص [ على ] صورة منزلة السلطان وتوقيره عن قرع سمعه بما يكرهه ولا تجوز مقابلته به ، وأن يقصد إلى استعمال الإيجاز والإطناب في المواضع الَّتي تحتمل كلَّا منهما ، فهذا ما يمكن أن يتعرّف من رسوم هذا الباب . قال : ومن نفذ فهمه وخاطره في الصناعة وتدرّب فيها ، يكتفي بهذه اللَّمعة . ولا يحتاج إلى زيادة عليها . في الإخبار بوقوع مطر وسيل من ترسّل أبي الحسين ( 2 ) بن سعد :

--> ( 1 ) تقدم الحديث عن مفهوم السلطان في الحاشية رقم 1 ص 7 من هذا الجزء . ( 2 ) انظر الحاشية رقم 1 ص 5 من هذا الجزء .