أحمد بن علي القلقشندي
218
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
كاره لأن ينظر إليك بعين الاستقلال ، حتّى لقد أخرجت الأضغان ، وقبّحت الإحسان ، وزهّدت في اصطناع المعروف ، وإغاثة الملهوف ، والناس منك بين أسرار تفشى ، وبوائق تخشى ، وشناعات واردة ، ونوادر باردة . ودّك تخلَّق ، وشكرك تملَّق . ومنه : لسعيد ( 1 ) بن حميد : رجل يعنف بالنّعم عنف من قد ساءته بمجاورتها ، ويستخفّ بحقّها استخفاف من لا يخفّ عليه محملها ، ويقصّر في شكرها تقصير من لا يعلم أنّ الشكر يرتبطها ، ومن كانت هذه حاله في اختياره لنفسه ، فكيف أرجو حسن اختياره لي ؟ ومن كان في مدّة من ابتلاء اللَّه بعيدة ما بين الطَّرفين لا أدري أينفذ بي الأجل إلى أقصاها ؟ أم يقصّر بي في أدناها ؟ فكيف يتّسع الصدر للصبر عليه ؟ إنّ اللَّه لا يخاف الفوت فهو يمهله ، وإنه إن مات لم يخرج من سلطان اللَّه جلّ وعزّ إلى سلطان غيره فيعاجله ، وأنا على خوف من إعجال المدى عن بلوغ [ مناي فأذهب ] ( 2 ) حرجا صدري ، وعلى ثقة من الشّغل في الآخرة بنفسي عن التّشفّي من أهل عدواتي وترتي ( 3 ) ، وأحمد اللَّه على المحنة ، وأسأله تعجيل روح النّعمة ، وفسحة العافية . النوع السادس عشر ( في الأخبار ) قال في « موادّ البيان » : كتب الأخبار وإن كانت من الكتب الكثيرة الدّوران في الاستعمال فليست مما يمكن تمثيله ، ولا حصر المعاني الوامقة ( 4 )
--> ( 1 ) هو الكاتب أبو عثمان سعيد بن حميد بن عبد الحميد الكاتب ، كان مقدّما في صناعة الكتابة ، جيّد التناول للسرقة ، كثير الإغارة ، وكان يدّعي أنه من أولاد ملوك الفرس . انظر الفهرست ص 137 والعقد الفريد ( ج 4 ص 173 ، 224 - 225 ، 237 - 238 ) . ( 2 ) زيادة يقتضيها المقام . حاشية الطبعة الأميرية . ( 3 ) التّرة والوتر : الفرد ، والمقصود هنا الصداقة أو القرابة . انظر القاموس المحيط ( وتر ) . ( 4 ) مراده : الواقعة فيه ، ولعله مصحّف عنه . حاشية الطبعة الأميرية .