أحمد بن علي القلقشندي
212
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ابن نباتة ( 1 ) المصري : شكر اللَّه افتقادها وأنسها ، وقلمها وطرسها ، وحمى من عارض الخطب لا من عارض الخصب شمسها ، ولا أعدم الأولياء قصدها الجميل ، وودّها الجليل ، وإحسان رسائلها الَّتي كرمت فما صوب الغمام لها رسيل ، وأمتع الممالك بيمنها الَّتي صحّت بتدبيره فليس غير النّسيم عليل . وينهي ورود المشرّف الكريم فتلقّاه المملوك حبيبا واردا ، وطبيبا بإحسانه وللجسد عائدا ، وفهم المملوك ما انطوى عليه من الصّدقات الَّتي ما زالت في فهمه ، والمحبة الصادقة الَّتي ما عزبت عن علمه ، وما تضمّن من فصول كانت أنفع من فصول أبقراط ( 2 ) لمعالجة جسمه ، وأين أبقراط من بركات كتاب مولانا الذي طالع منه كتاب الشّفاء على الحقيقة ، والنّجاة من عروة البأس الوثيقة ؟ وأدنى ورقته الحمراء لرأسه تبرّكا وإكراما وقال : نعم الجلَّنارة المعوّذة من الشّقيقة ، واستطبّ حروفها فإنها عن أيدي الكريم والكرامات ، ولثم العلامة وتمسّك بالسّطور فإنها من أسباب الصّحّة والعلامات ؟ ووافقت عيادة مولانا مبادي العافية وآذنت بالزّيادة ، وصلح خطَّه الكريم عائدا وما كلّ خطَّ يصلح للعيادة ، وما تلك الجارحة المتألَّمة إلَّا يد أثقلتها منن مولانا فأعيت وتألَّمت ، ثم أعانتها بركته هي والقدم بالحمل العظيم وتقدّمت ، وما بقيّة الجوارح إلَّا عيون كانت تنتظر لطف اللَّه تعالى وبركته وقد قدمت ، فشكرا لها من بركات تنعم بها قبل الجسوم أرواحها ، وأدوية قلبيّة تعالج بها ذوات النّفوس فكيف أشباحها ، لا برح جوهر كلمات مولانا يؤذن بالشّفاء من العرض ، وسهام أقلامه إذا كتبت عائدة أو جائدة أصابت الغرض وفوق الغرض .
--> ( 1 ) تقدمت ترجمته في الحاشية رقم 2 ص 10 من هذا الجزء . ( 2 ) هو السابع من الأطباء اليونانيين الكبار الذين اسقليبوس أولهم . وهو أبقراط بن ايراقليدس بن أبقراط ، تعلَّم صناعة الطب من أبيه ومن جدّه أبقراط ، وكانت مدة حياته خمسا وتسعين سنة . انظر عيون الأنباء في طبقات الأطباء ص 43 - 61 .