أحمد بن علي القلقشندي
184
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
أنها إذا كانت صادرة من الأتباع إلى رؤسائهم ، ومن يرجع إلى اختصاص وأثرة ، أن لا تبنى على الإغراق في الشكر ؛ لأن الإغراق في الشكر يحمل هذه الطبقة على التملَّق الذي لا يليق إلَّا بالأباعد الذين يقصدون الدّلالة على استقلالهم بحقوق ما أسدي إليهم ، فأما من ضفا عليه من النعم ما يدفع الشكّ في اعترافه بالذّلّ لديه ، فإنه يغنى عن المبالغة في الشكر والاعتداد . ثم قال : وإنما يجب أن يذهب فيما يكتب عن هؤلاء من هذا الفنّ مذهب الاختصار ، والإتيان بالألفاظ الوجيزة الجامعة لمعاني الشكر ، دون مذهب الغلوّ والإفراط ، وذو الطبع السليم ، والفكر المستقيم ، يكتفي بيسير التمثيل . وهذه نسخ من ذلك : أبو الفرج ( 1 ) الببغاء ، في شكر تابع لمتبوع : أنا في شكره - أيده اللَّه - مبرهن عن مواقع إحسانه إليّ ، وتظاهر إنعامه عليّ ، لا مقدّر أنّي مع المبالغة والإسهاب ، والإطالة والإطناب ، أجازي عفو تفضّله ، ولا أجامل أيسر تطوّله ، وقد وسمني أيده اللَّه من شرف اصطناعه ، بما بوّأني به أرفع منازل خدمه وأتباعه ، وإلى اللَّه أرغب في توفيقي من مقابلة ذلك بالاجتهاد في خدمته ، والمبالغة في طاعته - لما أكون به للمزيد مستوجبا ، وللحظوة مستحقّا . وله في شكر قريب : فرّض الشكر - أعزّك اللَّه - لا يسقط بقرب الأنساب ، ولذلك لا أستجيز إغفال الواجب عليّ منه ، ولا أجد عدولا في التسامح فيه والإضراب عنه ، وإن كنت غنيّا عن الإفاضة فيما أعتقده من ذلك وأضمره ، وأبديه وأظهره ، بالمتعالم من خلوص النية وصحة الاعتقاد ، فلا أخلاك [ اللَّه ] من جميل تسديه ، وتفضّل توليه ، يمتري لك المزيد من سوابغ النّعم وفوائد الشكر .
--> ( 1 ) تقدمت ترجمته في الحاشية رقم 1 ص 24 من هذا الجزء .