أحمد بن علي القلقشندي
172
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وله في مثله : ليس يخلو الإغراق في التنصّل والمبالغة في الاعتذار من إقامة لحجّة ، أو تمسّك باعتراض شبهة ، وأنا أجلّ ما أخطبه من عظيم عفوه ، وأكبر ما أحاوله من نعمة تجاوزه ، عن المقابلة بعين الاعتراف بالزّلل وبعد الاستحقاق من الصّفح ، ما لم يوجب لي بسعة تأوّله ، ويعد عليّ فيه بعادات تفضّله ، لتصفو منه الأعضاء ، وتلزمني واجبات الشكر والثّناء ، غير ممتنع مع ذلك من التبرّي إليه مما أنكره من تجاوز السّهو إلى العمل ، والتوجّه إلى ما فرط بالاختيار والقصد اللذين يغفر بتجنّبهما مذموم الأفعال ، ويتغمّد سيّيء الأعمال ، فإن رأى أن يحمل أمري فيما قصدتني الأيام بتوجّه الظَّنون فيه على غير النيّة لا ظاهر الفعل ، إذ كانت صفات الإنسان بالأشهر من أخلاقه والأكثر من أفعاله ، ولا صفة لي أعرف بها وأنسب إليها غير الاعتراف بإنعامه ، والتّطاول من اصطناعه ، آخذا من كلّ حال بالفضل ، ومشفّعا بسطة الرياسة والنّبل . وله في مثله : لست أخلو في المدّة الَّتي تجاوز الدهر لي عنها في خدمته من توصّل بفرط الاجتهاد ، إلى ما وصل من رأيه إلى رتبة التقبّل والإحماد ، وليس يحبط ما أتيته من مرضيّ الخدمة بالنيّة والعمد بما لعلَّه فرط من غير مراد ، إذ كان - أيده اللَّه بفائض طوله ، ومأثور فضله - آخذا من آداب اللَّه بما أحاكمه منه ( 1 ) : * ( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) * ( 2 ) . و [ لو ] لا إيثاري ( 3 ) مفترض الطاعة واستكانة الاعتداد ، وأن لا أخطب رضاه بلسان الاحتجاج ، ولا ألتمس عفوه بوجوب الاستحقاق ، لتسلم له صفات التفضّل ، ولي مواتّ الاعتراف بسالف التطوّل ، لبرهنت على سلامتي مما قصر عليّ بتوجّه الظَّنون واعتراض الأوهام ، ولا أقول
--> ( 1 ) كذا في الأصل ، ولعله : « إليه » . ( 2 ) سورة هود 11 ، الآية 114 . ( 3 ) في الأصل : « ولا إيثاري على مفترض ألَّا أخطب » . حاشية الطبعة الأميرية .