أحمد بن علي القلقشندي
171
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
على أن جعل عذري إلى من يتمحّل العذر للمعتذر ، ويصفح صفح المالك المقتدر ، كأنّما ائتمّ بقول الشاعر ( طويل ) : إذا ما أتت من صاحب لك زلَّة فكن أنت محتالا لزلَّته عذرا ولم يجعله إلى من يغلَّب هاجس الظَّنون ، على واضح الحجّة ، ومعتلّ الشكّ على صحيح اليقين . ونمي إليّ أنّ غابطا ( 1 ) لمكاني من حضرته ، حسدني على محلَّي من مودّته ، وزوّر ما ينكشف عن الإفك والبهتان ، ودلَّس الكذب في صورة البرهان ، فلما جلَّاه في معارض زخارفه أظهر لسيدي عواره ( 2 ) ، وأبدى لطرفه شواره ( 3 ) ، فشلّ ( 4 ) سمعه عن وعيه ، وطرف طرفه عن رعيه ، واستنمّ علائم شيمته ، في حسن الضّنّ بأحبّته ، فقدّمت من الاعتذار ما يقدّمه المذنب نزولا على طاعته ، وتأدّبا في خدمته ، وشفعته من الشّكر بما يقتضيه إحسانه ويوجبه . أبو الفرج ( 5 ) الببغاء : أحقّ المعاذير بالتقبّل وأولاها بسعة القلوب ما صدر عن استكانة الأقدار ، ودلّ على حسم موادّ الأضرار ، وصفا من كدر الاحتجاجات ، وتنزّه عن تمحّل الشّبهات ، ليخلص به ملك العفو ، وتتكامل نعمة التّجاوز . ولست أكره شرف تأديبه ، ونبل تثقيفه وتهذيبه ، ما لم يتجاوز في العقوبة والتقويم إلى مؤلم الإعراض ، ومضيض التنكَّر والانقباض ، ولا أخطب الإقالة من تفضّله إلَّا بلسان الثّقة وشافع الخدمة ، هاربا إلى سعة كرمه مما دفعتني المحبّة إليه ، وأشفى بي عدم التوفيق عليه ، فإن رأى أن يكون عند أحسن ظنّي به في الصّفح ، كما هو عند أصدق أملي فيه بالإنعام ، فعل .
--> ( 1 ) الغابط هنا بمعنى الحاسد ، والغبطة : الحسد . القاموس المحيط ( غبط ) . ( 2 ) العوار ، بفتح العين ، وقد تضمّ : العيب . مختار الصحاح والقاموس المحيط ، مادة ( عور ) . ( 3 ) الشوار هنا بمعنى العيب ، وهو في الأصل ذكر الرجل وخصياه واسته . القاموس المحيط ( شور ) . ( 4 ) شلّ سمعه عن وعيه : أي طرده . والمراد يصغ إليه . انظر القاموس المحيط ( شلل ) وحاشية الطبعة الأميرية . ( 5 ) تقدمت ترجمته في الحاشية رقم 1 ص 24 من هذا الجزء .