أحمد بن علي القلقشندي
17
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ولاية قاضي ( 1 ) القضاة - أطال اللَّه بقاءه - لما تتضمّنه من إثبات العدل والإنصاف ، وانحسار الجور والإجحاف ، واعتلاء الحقّ وظهوره ، واختلاء الباطل وثبوره ، وعزّ المظلوم وإدالته ، وذلّ الظَّلوم وإذالته ، وتمكين المضعوف واقتداره ، وانخزال العسوف واقتساره . وإن هنّأته حرس اللَّه علاه بموهبة أتى بارقها بجميل الثّناء ، وجزيل الجزاء ، قد ناء من تحمّلها بباهظ الشيء ومتعبه ، وقام من سئلها بكل الأدب ومنصبه ، عدلت عن الأمثل وضللت عن الطريقة المثلى ، لكنّي أهنّئه خصوصا بالمواهب المختصّة به اختصاص أطواق الحمائم بأعناقها - والمناقب المطيفة به إطافة كواكب السّماء بنطاقها ، في أن ألَّف اللَّه القلوب المتباينة على الإقرار بفضله ، وجمع الأفئدة المتنافية على الاعتراف بقصور كلّ محلّ عن محلَّه ، وجعل كلّ نعمة تسبغ عليه ، ومنّة تسدى إليه ، موافقة الآمال والأماني ، مفضية للبشائر والتّهاني ؛ لأنّ من أحبّ الحقّ وآثره ، ولبس الصّدق واستشعره ، ينطق بلسان الإرادة والاختيار ، ومن تركهما وقلاهما ، وخلعهما وألقاهما ، ينطق بلسان الافتقار والاضطرار - والخصائص الَّتي هو فيها نسيج وحده ، وعطر يومه وغده - والمحاسن الَّتي هي أناسيّ عيون الزّمان ، ومصابيح أعيان الحسن والإحسان . ثم أعود فأهنّئه عموما بالنّعم المشتركة الشّمول ، الفضفاضة الذّيول ، الَّتي أقرّت القضاء في نصابه ، وأعادت الحكم إلى وطنه بعد نجعته واغترابه ، وأعلتهما في الرّتبة الفاضلة ، وقدعت ( 2 ) بهما
--> ( 1 ) قاضي القضاة عظيم الشأن جليل ، وله النظر في الأحكام الشرعيّة ، وفي دور الضرب وضبط عيارها ، ووظيفته من أجلّ أرباب الوظائف الدينية . وأول قاض كان في الإسلام هو عمر بن الخطاب ، استقضاه أبو بكر الصديق في خلافته ، فمكث سنة لا يأتيه أحد في قضيّة . وكانت الديار المصرية في عهد الفاطميين يليها قاض واحد ، وفي الأيام الظاهرية بيبرس ، وبالتحديد في سنة 663 ه ، اقتضى رأي السلطان تقرير أربعة قضاة من مذاهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل ، فكان قاضي قضاة الشافعية ، وقاضي قضاة المالكية ، وقاضي قضاة الحنفية ، وقاضي قضاة الحنبلية . وكما في الديار المصرية والشامية ، كان بحلب أربعة قضاة ، من كل مذهب قاض ، والشافعيّ منهم هو الذي يولَّي بالبلاد كما في مصر والشام . انظر ج 1 من هذا المطبوع ص 417 ، وج 3 ص 486 ، وج 4 ص 35 وج 11 ص 174 - 181 . ( 2 ) أي جاوزت بهما أنف الذروة العالية .