أحمد بن علي القلقشندي

162

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

رقعة : وينهي أنّ مولانا بما تمّم اللَّه من محاسنه ومناقبه ، جدير أن يلقى من خطب الاعتصام بعرى ممازجته ، وسعى في نيل علقه من مواشجته ، بالقبول ، القاضي بنيل المأمول ، ودرك الرّغب والسّول ، ولا سيّما إذا كان عارفا من سموّ خطره ، واعتلاء قدره ، ما يقضي عليه بخفض الجناح في معاشرته ، وغضّ الطَّرف في معاملته ، والوقوف دون درجة المساواة والمماثلة ، والتزحزح عن رتبة المباراة والمطاولة ، والانتظام في سلك الأتباع والحاشية ، والخدّام والغاشية ، وكثيرا ما وجد المملوك البركة في مشاركة من هذه صفته أوفر منها في مشاركة النّظراء ، وكانت العاقبة في مشابكة من هذه حاله أجمل منها في مشابكة الأكفاء ، الذين يصادفون في الحقوق شططا ، ولا يغضّون عن يسير الواجبات تبسّطا ؛ لأنهم يرون أنّ الوصلة ممّن داناهم في الرّتبة والمنزلة ليست عائدة عليهم بشرف ، ولا مظهرة لهم من خمول ؛ ولأن يستخلص مثل سيّدي من الرّؤساء ، مثل المملوك من الأولياء ، ويختصّه بأثرة الاجتباء والاصطفاء ، فيكون مفخره إليه منسوبا ، وما يرقّيه اللَّه تعالى إليه ببركته من درج الفضل في نفسه محسوبا ، أولى من طلب مماثل يناويء بقدره ويطاول . على أنه لو طلب ذلك لطلب معوزا ، ورام معجزا ؛ لما أفرده اللَّه تعالى به من السّيادة الَّتي لا يترامى إلى منزلتها ، ولا يتسامى إلى مطاولتها ، وإذا كان النظير معدوما ، والكفؤ مفقودا ، ولو وجد لمال متسلَّطا ، ووقع سومه ( 1 ) منبسطا ، ومولانا يطلب إليه ولا يطلب ، ويرغب فيما عنده ولا يرغب ، فقد سهلت السبيل إلى ما يرومه المملوك من جهته ، ويؤثره من مواصلته ، واتّسع المجال فيما يقدم عليه من الرّغبة في تقليده شرف مصاهرته ، وإضافته بذلك إلى بطانته وأهل خاصّته ، ويخرجه على ما يخرج عليه الوالد ولده ، والسيّد عبده ، وقد حمّل المملوك موصّل مطالعته هذه ما لم تسع إيداعه

--> ( 1 ) لعله يشير إلى المثل العربي : « عرض عليّ الأمر سوم عالَّة » . قال الأصمعي : أصله في الإبل الَّتي قد نهلت في الشرب ثم علَّت الثانية ، فهي عالَّة ، فتلك لا يعرض عليها الماء عرضا يبالغ فيه . ويقال : سامه سوم عالَّة ، إذا عرض عليه عرضا ضعيفا غير مبالغ فيه ، والتقدير : عرض عليّ الأمر عرض عالَّة . انظر مجمع الأمثال ( ج 2 ص 12 ) وحاشية الطبعة الأميرية .