أحمد بن علي القلقشندي

139

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

شفاعة في خلاص مسجون : فسّح اللَّه في مدّته ، وسهّل أداء ما يجب من شكر نعمته ، وألزم الألسنة بحمده والقلوب بمحبّته ، وجعله مفرّجا كلّ كرب ، ومسهّلا من المقاصد كلّ صعب . وبعد ، فإنّ كافّة الأمّة قد تحقّقت رحمة قلب المولى ورأفته ، وتيقّنت إحسانه ومروءته ، وأنه يؤثر إعانة كلّ عان وإغاثة كلّ ملهوف ، وأنه لا يمسك إلَّا بالإحسان ولا يسرّح إلَّا بالمعروف ، بحيث سارت بحسن سيرته الرّكاب عوضا عن الرّكبان ، ودرأت مكارمه ( 1 ) عن الأولياء نوب الزّمان ، وعلا على حاتم فلو تشبّه بكرمه لقلنا له : ( مرعى ولا كالسّعدان ) ( 2 ) . وللمملوك من إحسانه أوفر نصيب ، وهو يرفل من جوده في ثوب قشيب ، وقد اشتهر ما يعامل به من الإكرام ، وأنّ قسمه من العناية أوفر الأقسام ، وكان يعدّ من جملة العبيد فأصبح مضافا إلى الإلزام ( 3 ) ، وهذا مما يوجب على المملوك أن يبتهل إلى اللَّه في تخليد دولته ويتضرّع ، وعلى حلم مولانا إنه إذا شفع إليه في مذنب أن يشفّع ، وهو يشفع إليه في مملوكه وعبده ، والملازم على رفع رايات مجده وتلاوة آيات حمده ، فلان ، رزقه اللَّه رضا الخواطر الشريفة ، وأسبل عليه حلَّة عفوه المنيفة على الحلل بظلالها الكثيفة ، فإنه قد طالت مدّة حبسه ، واعترف بأنه الجاني على نفسه ، والمعترف بذنبه كمن لا أذنب ، والمغترف من بحر جوده يروى دون أن يشرب ،

--> ( 1 ) في الأصل : « ودارت مكارمه على الأولياء » ، ويظهر أنه تصحيف من الناسخ . حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) مثل يضرب للشيء يفضل على أقرانه وأشكاله . ومرعى : خبر مبتدأ محذوف وتقديره : هذا مرعى جيد وليس في الجودة مثل السعدان . والسعدان أخثر العشب لبنا ، وإذا خثر لبن الراعية ، أي ثخن واشتدّ ، كان أفضل ما يكون وأطيب وأدسم . ومنابت السعدان هي السهول . انظر مجمع الأمثال ( ج 2 ص 275 - 276 ) . ( 3 ) يقال : لزمه لزما ولزاما ولزامة ، ولازمه لزاما وملازمة ، وهو لزمة ؛ أي إذا لزم شيئا لا يفارقه . انظر ترتيب القاموس المحيط ( ج 4 ص 124 ) ومعجم متن اللغة ( ج 5 ص 173 ) .