أحمد بن علي القلقشندي

137

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وهذا دعاء لو سكتّ كفيته فإنّي سألت اللَّه فيك وقد فعل صدرت هذه الخدمة تستمطر سحاب كرمه ، وهامي ديمه ، وتسأل جميل شيمه ، في معنى مملوك المولى وداعيه ، والشاكر لأياديه ، والملازم على رواية أخبار فضائله وبثّها ، ونشر تفضّلاته ونثّها ، فإنّه من بيت كريم النّجار ، زائد الفخار ، وله على مولانا حقّ خدمة ، وهو يمتّ بسالف معرفة ، ومحبّة المملوك له شديدة ، والصّحبة بينهما قديمة وشقّة المودّة جديدة ، ولولا ذلك ما ثقّل على خدمته ، وتهجّم على المولى بمكاتبته ، وقد توجّه إلى بابه العالي مهاجرا ، وناداه لسان جوده فلبّاه وأجابه مبادرا ، وغرضه أن يكون كاتبا بين يديه ، ومملوكا تقع عين العناية عليه ، وهو من الكرام الكاتبين ، والراغبين في الانتظام في سلك خدمه والمؤثرين ، وصفاته بالجميل موصوفة ، وفصاحته معروفة ، وقلمه الذي يقلم ظفر المهمّات ويكفّ كفّ الحدثان ، ولسانه الذي يغني بشباته عن حدّ السّنان ، ورأيه المقدّم في الهيجاء على شجاعة الشّجعان ، فإذا أنعم المولى باستخدامه ، وتحقيق مرامه ، كان قد وضع الشيء في محلَّه ، وصنع المعروف مع أهله ، وبيّض وجه المملوك وشفاعته ، وصدّق الأمل في إحسانه ومروءته ، ورأيه العالي ، إن شاء اللَّه تعالى . وله شفاعة في استخدام جنديّ : لا زال برّه مطلوبا ، وجوده مخطوبا ، وذكر إحسانه في الملإ الأعلى مكتوبا ، ولا برحت رياض جوده أزهر وأنضر من روض الرّبا ، ويده البيضاء ترقم له في سواد القلوب سطور حمد أحسن من نور تفتّحه الصّبا . هذه الخدمة صدرت على يد فلان تهدي إلى المولى سلام المملوك وتحيّته ، ودعاءه الصالح الذي أخلص فيه نيّته ، وتشفع إليه في تنزيله في الحلقة المنصورة واستخدامه ، وترتيبه في سلك جيشه المؤيّد وانتظامه ، فإنه من الأجناد الجياد ، وذوي الجلد على الجلاد ، وهو الغشمشم ( 1 ) الذي لا يردّ ، والشّهم الذي لا يصدّ ، والباسل

--> ( 1 ) الغشمشم : الجريء الماضي . لسان العرب ( غشم ) .