أحمد بن علي القلقشندي
12
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
جمال الدين بن نباتة ، وهي بعد الألقاب : أعلى اللَّه منارها ومنالها ، وخلَّد قبولها وإقبالها ، وأجزل من الغضّ الذي تناولته ثمرها وأسبغ به ظلالها ، ولا زال في سيفها وعصاها مآرب للملك ، وفي بأسها ونداها مواقع للنّجاة والهلك ، ولا برحت القضب من سيوف وغصون : هذه حاكمة بسعدها حكم الملك ، وهذه مسخّرة في تجريدها تسخير الفلك ، تقبيل مخلص في ولائه ودعائه ، مهنّا القلب مسرور بما يتجدّد من مسرّات مولانا وهنائه ، وينهي أنه بلغه ما أفاضته الصدقات الشريفة على مولانا من المبرّات ، وما جدّدت له من المسرّات ، وأنها ضاعفت مزيد الإحسان إليه ، ودعته أمير جاندار ودّت العصيّ النّجوميّة لو قدّمت نفسها بين يديه ، وأنّ المواقف الشريفة قرّت به عينا وأقرّت ، وأنّ الدولة القاهرة ألقت عصاها إليه واستقرّت ؛ وكما سلَّمت إليه العصا في السّلم سلَّمت إليه السيف في الحرب ، وكما قرّبته في مواقف العدل والإحسان قرّبته في مواقف الطَّعن والضّرب ، فأخذ المملوك حظَّه من البشرى ، وأوجب على نفسه الفرح وسجد للَّه شكرا ، وودّ لو حضر يشاقه بهذا الهناء الشامل ، ومثل قائما لديه بحقّ التهنئة القيام الحقيقيّ الكامل . وحيث بعدت داره ، ونأت عن العيان أخباره ، فقد علم اللَّه تعالى مواصلته بالأدعية الصالحة ليلا ونهارا ، والموالاة والمحبّة الَّتي يشهد بها الخاطر الكريم سرّا وجهارا . واللَّه تعالى المسؤول أن يزيد مولانا من فضله ، ويسرّه بمتجدّدات الخير الذي هو من أهله ، ويمتّعنا كافّة المماليك بدوام سلطان هذه الدولة الذي شمل بظله ، وغني بنصره عن نصله ، إن شاء اللَّه تعالى . الصنف الثالث - التهنئة بالإمارة ( 1 ) .
--> ( 1 ) كانت الإمارة تولَّى من أبواب الخلافة ببغداد إلى حين انقراضها ، إلَّا ما تغلَّب عليه الفاطميون أصحاب مصر في خلال ذلك ، ثم استقرّت آخرا من جهة ملوك مصر إلى أيام القلقشندي . والإمارة أيضا من ألقاب أرباب السيوف ، والأمير هو زعيم الجيش أو الناحية ونحو ذلك ممّن يولَّيه الإمام ، وأصله في اللغة ذو الأمر ، وهو فعيل بمعنى فاعل ، فيكون أمير بمعنى آمر سمّي بذلك لامتثال قومه أمره . ويقال : أمر فلان إذا صار أميرا ، والمصدر الإمرة والإمارة بكسر فيهما . والتأمير تولية الأمير ، وهي وظيفة قديمة . انظر ج 5 من هذا المطبوع ص 449 وج 12 ص 233 .