أحمد بن علي القلقشندي

109

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

كدوافق السيل ، مسفرة عن إيجاد سوابح إلَّا أنها في الفخار والشّية ضافية الذّيل ، سفيرة في الجوادّ بكلّ جواد تبتسم غرّته ابتسام النهار ويدرك طلبه إدراك الليل ، تقبيلا يستبق استباق الجياد ، ويتّسق على الدّرج اتّساق العقود على الأجياد . وينهي بعد ثناء وولاء : هذا يهيم في كل واد ، وهذا يهيم بمثله كلّ وادّ ، ورود مشرّفة مولانا الكريمة بما ملأ القلب مسرّة ، والعين قرّة ، ودرج عام ( 1 ) الفيل من نجب الخيل السيارة مستهلّ وغرّة ، فقابلها المملوك بتقبيله ، وقام لها على قدم تبجيله ، ثم قام إلى الخيل الشريفة المنعم بها عليه فقبّل من حوافرها أهلَّة ثم من غررها نجوما ، وتأمّل شياتها البرقيّة واستمطر من السّعود غيوما ، فأذنت له من الإقبال أمد قاصيها ، وظلّ بمنزله الخير المعقود بنواصيها ، وتضاعفت أدعيته الصالحة لهذه الدولة القاهرة الصالحيّة زادها اللَّه من فضله ، والوقت الذي ملأ الدنيا بسحاب جوده ورياح جياده ورياض عدله ، والملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده ، ولولا شهود العهد الشهيديّ لقال : ولا لأحد من قبله ، وأعدّ المملوك هذه الثلاثة من الخيل ليفني عليها بالقتال أهل التعطيل والتّثليث ، ويستخفّ بها آجال الأعداء بين يدي مالكه ، فإنها من ذوات العزّ والعزم الحثيث ، وما هي إلَّا كواكب سعد تمددها أسنّتها الوقّادة ، وزهرات حسن حيّت بها على البعد سفارته المعتادة ؛ لا برح مولانا يقلَّد بعنايته وإعانته المنن الجسام ، وينصر بعزائمه القاطعة ، وكيف لا ينصر ويقطع وهو الحسام ؟ وله في جواب وصول أكديش ( 2 ) وباز ( 3 ) [ وكوهيّة ] ( 4 ) :

--> ( 1 ) عام الفيل هو عام 570 ميلادية ، وهو العام الذي ولد فيه النبي محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . انظر مروج الذهب ( ج 2 ص 268 ) وحياة محمد ص 108 . ( 2 ) هو في الأصل الكديش ، وهو نوع من الخيل غير العراب ، أصله من بلاد الترك والروم ، وقد عرف في القرون الوسطى بالأكديش ، والجمع أكاديش . هذا ما ذكره في معجم متن اللغة مادة ( كدش ) . وذكره ابن فضل اللَّه العمري في كتابه التعريف بالمصطلح الشريف ص 218 فقال : من الأكاديش الرهاوير ، وواحدها يتمشى مشية المتمايل ، ويظهر على بقيّة الخيل وهو المتخايل ، وهو أخفّ ظهرا من الجياد العربية في قطع العقبة الكؤود . انظر أيضا هذا المطبوع ج 2 وج 5 وج 14 . ( 3 ) الباز والبازي ضرب من الصقور ، والجمع أبواز وبيزان ، وجمع البازيّ بزاة . مختار الصحاح ( بوز ) والقاموس المحيط ( بزي ) . ويذكر المسعودي أنه في جزائر بحر الخزر المقابلة لساحل جرجان نوع من البزاة البيض أسرع الضواري إجابة وأقلَّها معاشرة ، فإذا كان البازي إلى البياض في اللون فإنه أسرع البزاة وأحسنها ، وأنبلها أجساما ، وأجرؤها قلوبا ، وأسهلها رياضة ، وإنه أقوى جميع البزاة على السموّ في الجو . وكان هارون الرشيد يستعمل في صيده هذا النوع من البزاة . وقد وصفت الحكماء والملوك البزاة ، وأغربت في الوصف ، وأطنبت في المدح فقالت : البازي شجاع مريد ، رفيق يحسن الإشارة ، ملك كريم وأول من اقتنى البزاة ولعب بها وضرّاها هو بطليموس ملك اليونان . مروج الذهب ( ج 1 ص 209 - 211 ، 333 ) . ( 4 ) الكوهيّة طائر من الجوارح من حجم الباشق ، سوداء الظهر بيضاء البطن ، حمراء العينين ، صفراء الرجلين . معجم متن اللغة ( ج 5 ص 131 ) . وقال القلقشندي في ج 2 من هذا المطبوع ص 61 : الكوهية من الجوارح الصقور ، وهي موشّاة بالبياض والسواد يخالط لونها صفرة ، وتجلب من البحر .