أحمد بن علي القلقشندي

103

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

مجمع البحرين ، تقبيل مخلص في الولاء والدّعاء ، مستشهد بالخواطر الكريمة على ثبوت الادّعاء ، وارد لموارد النّعم قبل صدور بل قبل ورود الرّعاء . وينهي أنه ليس للمملوك فيما يؤمّله ويتأمّله ، ويفصّله من عقود المطالب ويجمله ، غير إحسان مولانا الذي لا يملّ على طول الإيناس والإلباس ، وعوارف بيته المستجدة تالية : * ( إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ) * * ( 1 ) . وقد جهّز المملوك الولد فلانا بالجهاز المبارك إلى الأبواب الشريفة خلَّد اللَّه سلطانها ، وملأ به جواهر حبّات القلوب وريحانها ، وهو على قدر المملوك ومقداره ، لا على قدر مراده واختياره ، ولو أن المراد مما يحمله العبد إلى سيّده ، ويقدّمه من سبد الحال ولبده ، على قدر المحمول إليه ، والمقدّم بين يديه ، لضعفت قوى أكثر العبيد عن ذلك ، ويئس من الرّضوان جهدهم المالك ، وإنما على العبيد أن تنصب على قدرتها الحال ، وعلى السادات أن تصرّف بعوامل الخبر مستقبل الأفعال . وعلم مولانا الكريم محيط بتنقّل المملوك في هذه السّنين من بلد إلى بلد ، ومن أمد كلَّفه إلى أمد ، وبما حصل في ذلك من التمحّق في إقطاعات كاد أن يخني عليها الَّذي أخنى على لبد . وكان المملوك يودّ لو كان هذا المحمول من الجهاز من جواهر النّجوم المنثورة ، وأخبية السّعود المأثورة ، وجميع ما زيّن للناس من الشّهوات المذكورة ، أضعاف أضعافه الآن ، بل أضعاف أضعاف ما حمل الأوّلون من فلان وفلان ، كالحسن ( 2 ) بن سهل مع الجهة المأمونيّة الَّتي حلا ذكرها ، وابن طولون ( 3 ) مع المعتضديّة الَّتي كاثر هذا الغيث قطرها ،

--> ( 1 ) سورة البقرة 2 ، الآية 243 . ( 2 ) هو أبو محمد الحسن بن سهل بن عبد اللَّه السرخسي ، أحد الكتّاب المترسّلين . تولَّى وزارة المأمون بعد أخيه ذي الرياستين الفضل بن سهل ، وحظي عنده . زوّج ابنته خديجة ( بوران ) للخليفة المأمون . توفي سنة 236 ه ، وقال ابن الأثير : سنة 235 ه . انظر العقد الفريد ( ج 5 ص 120 ) ، ومروج الذهب ( ج 3 ص 443 ) ، والفهرست ص 135 ، 191 ، وتاريخ بغداد ( ج 7 ص 319 - 323 ) ، وكتاب الوزراء والكتاب ص 250 ، والكامل في التاريخ ( ج 7 ص 52 - 53 ) ، ووفيات الأعيان ( ج 2 ص 120 - 123 والأعلام ( ج 2 ص 192 ) . ( 3 ) هو هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون ، أحد ملوك الدولة الطولونية بمصر . بويع له بعد مقتل أخيه جيش سنة 283 ه ، وظهر ضعفه في حرب القرامطة ، فنزل للمعتضد العباسي عن قنسرين وأطرافها . ولما ولي المكتفي خلافة بغداد ، بعد أخيه المعتضد ، وجّه كاتبه محمد بن سليمان إلى الديار المصرية في المحرّم من سنة 292 ه ، فقهره محمد وجمع آل طولون وكانوا بضعة عشر رجلا فقيّدهم وحبسهم واستقصى أموالهم ، وكان ذلك في صفر من السنة المذكورة ، وكتب محمد إلى المكتفي ، فأمره بإشخاص آل طولون من مصر والشام إلى بغداد ، ففعل ذلك . وبذلك انقضت الدولة الطولونية على الديار المصرية . انظر الكامل في التاريخ ( ج 7 ص 535 - 536 ) ، والولاة والقضاة ص 242 ، والبداية والنهاية ( ج 11 ص 99 ) ، والنجوم الزاهرة ( ج 3 ص 93 ) والأعلام ( ج 8 ص 60 ) .