أحمد بن علي القلقشندي
96
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ولما فرغنا والحمد للَّه من تلكم الشّواغل ، وأرغنا من الخائن التّلمساني ترك ما هو فيه من إثارة الفتن واغل ، فأعرض وأشاح ، وما لاحت عليه مخيلة فلاح ، نهدنا نحو أرضه ، لنجزيه بقرضه ، بجيوش يضيق عنها فسيح كلّ مدى ، وخيول تذر الأكم للحوافر سجّدا ، تنقضّ على الأقران أمثال الأجادل ، وتقضّ الجنادل من حوافرها بأصلب من الجنادل ، فكلفنا بتسلَّم منازله فمنزلا ، وتسنّم معاقله معقلا فمعقلا ، وجلّ رعاياه تقرّ بفضلنا ، وتفرّ من جوره إلى عدلنا ، ومن تمسّك منهم بحبله ، أو سلك من الغيّ في سبله ، قاده السيف برغمه ، واستنزله على حكمه ، والعفو مع ذلك يؤمّهم ، والإحسان يشملهم ويعمّهم ، حتّى لم يبق إلَّا معقله الأشب ، ومنزله الذي رأى أنه عن عين الشّوائب محتجب ، قد شمخ أنفا حميّا ، وصافح كفّا للثّريّا ، ولم يرض لها منه عمائم إلَّا الغمائم ، ولا لأنامل شرفاته خواتم ، إلَّا النّجوم العواتم ، فنزلنا بساحه ، وأقبلنا على كفاحه ، وجعلنا نقذفهم من حجارة المجانيق ، بأمثال النّيق ، ومن كيزان النّفظ الموقدة ، بأمثال الشّهب المرصدة ، ومن السّهام العقّارة ، بأمثال العقارب الجرّارة ، حتّى غدت جدرانهم مهدومة ، وجسومهم مكلومة ، وثغور شرفاتهم في أفواه أبراجهم مهتومة ، وظلَّت الفعلة تشيّد إزاء أبراجهم أبراجا ، وتمهّد منها لتسوير أسوارهم أدراجا ، وللمعاول في أسافلها إعوال ، وللعواسل على أعاليها أعمال ، وللأشقياء مع ذلك شدّة وجلد ، وعدّة وعدد ، وحدّة ولدد ، يقاتلون حميّة ، وينازلون بنفوس أبيّة ، وحجارة المجانيق ( 1 ) تشدخ هامهم ، وبنات الكنائن تزلزل أقدامهم ، وهم في مثل ذلك لازمون إقدامهم ، إلى أن اشتدّت أزمتهم فلم يجدوا لها من فارج ، وأحاطت بهم الأوجال من خارج ، وهدمت أبراجهم الشّواهق ، وردمت حفائرهم والخنادق ، وأخذت الكماة في العروج إلى البروج ، والحماة في السّباق إلى الأنفاق ، والرماة في النّضال بالنّصال ، فمن مرتق سلَّما ، غير متّق مؤلما ، ومشتغل بالنّقب ، غير
--> ( 1 ) المجانيق : ج منجنيق ، وهي آلة حربية كانوا يرمون بها الحجارة ، مؤنثة ، وهي يونانية . محيط المحيط والمنجد ( جنق ) .