أحمد بن علي القلقشندي
97
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
محتفل بشابور الحجارة المنصبّ ، وأفرج المضيق ، وانتهج الطَّريق ، واقتحمته أطلاب الأبطال ، وولجته أقيال القبائل وولَّى الأشقياء الأدبار ، وعاذوا بالفرار ، وبدت عليهم علامات الإدبار ، وسابقوا إلى الأبواب ، فكان مجيئهم من أقوى الأسباب ، وقتل منهم الزّحام ، من أسأره الهدم والحسام ، فتملَّكنا ما دارت عليه الأسوار الخارجة ، كفرار السبع والملعب ، وجميع الجنان والعروش التي ما انفكّ الشقيّ يجتهد في عمارتها ويتعب ، وأعلنّا بالنّداء أن كلّ من جاءنا هاربا ، ووصل إلينا تائبا ، منحناه العفو ، ومحونا عنه الهفو ، وأوردناه من إحساننا الصّفو ، فتبادروا عند ذلك يتساقطون من الأسوار ، تساقط جنيّات الثّمار ، فرادى ومثنى ، آئبين إلى الحسنى ، فيسعهم الصّفح ، ويحسبهم المنّ والمنح . ولما رأى الخائن قلَّة من بقي معه ، وشاهد تفرّق من ذلك الموقف جمعه ، أمر بسراح من في قبضته وسجنه ، واعتقدهم عونا له فكانوا أعون شيء على وهيه ووهنه ، واعتمد الناس في بقيّة يومهم السّور تتوسّع أنقابه ، وتتخرّق أبوابه ، إلى أن جنّهم الليل ، وحاق منهم بالأعداء الويل ، ولزم كلّ مركزه ، ولم يكن الليل ليحجبه من عمله ولا يحجزه ، وبات الفرّار إلينا يهربون ، ومن كل نفق يتسرّبون ؛ فلما ارتفع الضّياء ، ومتع ( 1 ) الضّحاء ، أمرنا ولدينا يعقوب وعبد الواحد ، ووزيرنا القاعد له بالمراصد ، بأن زحفوا إليها ، مع أطلابنا تحت راياتنا المنصورة عليها ، فرجفت قلوبهم ، ووجبت جنوبهم ، ولم يكن إلَّا كلا حتّى امتطيت تلك الصّهوة ، وتسنّمت فيها الذّروة ، وتسلَّمت بيد العنوة ، وفصمت عراها عروة عروة ، وأنزلوا من صياصيهم ( 2 ) ، وتمكَّنت يد القهر من نواصيهم ، وحقّت عليهم كلمة العذاب من معاصيهم ، وفرّ الشّقيّ إلى فناء داره ، في نفر من ذويه وأنصاره ، وفيهم ولداه مسعود وعثمان ، ووزيره موسى بن عليّ معينه على البغي والعصيان ، وعبد الحق بن
--> ( 1 ) متع الضحاء ومتعت الضحى متوعا : بلغت الغاية وذلك إلى أول الضحى . ( 2 ) الصياصي : ج صيصة ، وهي الحصن وكل ما امتنع به .