أحمد بن علي القلقشندي
85
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
أعين الإسلام ، وأثلج صدور اللَّيالي والأيّام ؛ وذلك أنّا من حين صدر من عدوّ الملَّة في الجزيرة ما صدر ، حسب ما جرّه محتوم القدر ، لم نزل نبيح لأساطيلنا المنصورة حرمه وحماه ، ونطرق طروق الغارة الشّعواء بلاده وقراه ، ونكتسح بأيدي الاستلاب ما جمعت بها يداه ، إلى أن ذاقوا من ذلك وبال أمرهم ، وتعرّفوا عاقبة مكرهم . وكان من جزائرهم المعترضة شجا في حلوق الخطَّار ، ومتجشّمي الأخطار ، وركَّاب البحار ، من الحجّاج والتّجار ، جزيرة « غودش » وبها من أعداء اللَّه جمّ كثير ، وجمع كبير ، فأرسلنا عليهم من أسطولنا المنصور غربانا نعقت عليهم بالمنون ، وعرّفت المسلمين بركة هذا الطائر الميمون ، وشحنّاها عددا وعددا ، واستمددنا لها من اللَّه ملائكة سمائه مددا ، فسارت تحت أجنحة النّجاح إليها ، وتحوم إلى أن رمت مخالب مراسيها عليها ، فلما نزلوا بساحتها ، وكبّروا تكبيرة الإسلام لإباحتها ، بهت الذي كفر ، وودّ الفرار والحين يناديه : أين المفرّ ؟ فلما قضى السيف منهم أوطاره ، وشفى الدّين من دمائهم أواره ، وشكر اللَّه من المسلمين أنصاره ، عمدوا إلى ما تخطَّاه السيف من والد وولد ، ومن أخلد إلى الأرض من رجالهم عن المدافعة فلم يعترضه بالقتل منهم أحد ، فجمعوا منه عددا ينيف بعد الأربعمائة على الأربعين ، وجاؤوا بهم في الأصفاد مقرّنين ، وامتلأت بغنائمهم والحمد للَّه أيدي المسلمين ، وانقلبوا فرحين بما آتاهم اللَّه مستبشرين ، إلى أن دخلوا حضرتنا العليّة بسلام آمنين . فعرّفناكم بهذا الفتح لتأخذوا بحظَّكم من شكر اللَّه عليه ، وتتوجّهوا في مثله بصالح أدعيتكم إليه ، وهو سبحانه وتعالى يطلعنا ويطلعكم على ما يسرّ النفوس ويهنّيها ، ويجلو وجوه البشائر ويبديها ، بمنّه وكرمه ، والسّلام العطر المحيا الجميل المحيّا عائد عليكم ورحمة اللَّه وبركاته . الجملة الثانية ( في المكاتبات الواردة عن صاحب « تلمسان » من بني عبد الواد ) ورسم مكاتبته فيما وقفت عليه في المكاتبة الواردة على صاحب