أحمد بن علي القلقشندي

84

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

يسّر الحبّ سبيلها ، وأوضح الخلوص دليلها ، ورجونا من فضلكم على نزارتها قبولها ، إذ لو كانت الملوك تهادى على قدر جلالها ، لما اتّسعت لذلك خزائن أموالها ، لكنّها عنوان الحبّ السليم ، حسب ما اقتضاه الحديث النبويّ الكريم . وفي أثناء شروعنا في ذلك ، وسلوكنا منه أيمن المسالك ، وصل إلينا كتابكم الكريم ، تعرف النواظر في وجوه بشائره نضرة النّعيم ، فاطَّلعنا منه على ما راق العيون وصفا ونعتا ، وعبر للخلوص سبيلا لا ترى القلوب فيها عوجا ولا أمتا ( 1 ) ، وللَّه هو من كتاب كتب من البيان كتائب ، واستأثر بفلك الإجادة فأحرز به سعادة الكاتب ، فقسما بالقلم وما سطَّر ! والحبر وما حبّر ! لو رآه عبد ( 2 ) الحميد لتركه غير حميد ، أو بصر به لبيد ( 3 ) لأعاده في مقام بليد ، ولو قصّ على قسّ إياد فصاحته لنزّله عن منبر خطابته بعكاظ ، أو سحب على سحبان وائل ذيل بلاغته لأراه كيف يتولَّد السّحر الحلال بين المعاني الرائقة والألفاظ . ولما استقرينا من فحواه ، وخطابه الكريم ونجواه ، تشوّقكم لأخبار جهادنا ، وسروركم بما يسنّيه اللَّه من ذلك ببلادنا ، رأينا أن نتحف أسماعكم منه بما قرّت به

--> ( 1 ) الأمت : العوج . لسان العرب ( أمت ) . ( 2 ) هو عبد الحميد بن يحيى ، كاتب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية ، من أهل الشام ، كان أولا معلَّم صبية ينتقل في البلدان ، وعنه أخذ المترسّلون ولطريقته لزموا ، وهو الذي سهّل سبيل البلاغة في الترسّل ، ولرسائله مجموع نحو ألف ورقة . كاتب بليغ مشهور ، واحد دهره ، ضرب به المثل في البلاغة حتى قيل : فتحت الرسائل بعبد الحميد وختمت بابن العميد . قتل مع مروان بن محمد سنة 132 ه . انظر الفهرست ص 131 ، 139 ، ووفيات الأعيان ( ج 3 ص 228 - 232 ) والأعلام ( ج 3 ص 289 - 290 ) . ( 3 ) هو أبو عقيل لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر . كان من شعراء الجاهلية وفرسانهم ، وأدرك الإسلام ، وقدم على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . وتوفي سنة 41 ه وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة . عدّه ابن سلام في الطبقة الثالثة ، وهو أحد أصحاب المعلقات ، ومطلع معلقته ( كامل ) . عفت الديار محلَّها فمقامها بمنى ، تأبّد غولها فرجامها انظر الشعر والشعراء ( ج 1 ص 194 - 204 ) ، وطبقات الشعراءص 53 ، والكامل في اللغة ( ج 2 ص 324 - 326 ) والأغاني ( ج 14 ص 93 ) و ( ج 15 ص 137 ) ، ومقدمة ديوان لبيد ، والأعلام ( ج 5 ص 240 ) .