أحمد بن علي القلقشندي
71
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
* ( أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله ) * ( 1 ) وظننّا أنهم حيث تحقّقوا كنه الحال ، وآل بهم الأمر إلى ما آل ، أنهم تداركوا الفارط من أمرهم ، ورتقوا ما فتقوا بغدرهم ، ووجّه إلينا وجه عذرهم ، فإنهم ربما سيّروا إلينا حال دخولهم إلى الدّيار المصرية ، رسلا لإصلاح تلك القضية ، فبقينا بدمشق غير مثحثحين ( 2 ) ، وتثبّطنا تثبّط المتمكَّنين ، فصدّهم عن السعي في صلاح حالهم التّواني ، وعلَّقوا نفوسهم عن اليقين بالأماني ، ثم بلغنا بعد عودنا إلى بلادنا أنهم ألقوا في قلوب العساكر والعوامّ ، وراموا جبر ما أوهنوا من الإسلام ، أنهم فيما بعد يلقوننا على حلب والفراه ، وأنّ عزمهم مصرّ على ذلك لا سواه ، فجمعنا العساكر وتوجهنا للقاهم ، ووصلنا الفرات مرتقبين ثبوت دعواهم ، وقلنا لعلّ وعساهم ، فما لمع لهم بارق ، ولا ذرّ شارق ، فقدمنا إلى أطراف حلب ، وعجبنا من تبطَّيهم غاية العجب ، وفكرنا في أنه متى تقدّمنا بعساكرنا الباهرة ، وجموعنا العظيمة القاهرة ، ربّما أخرب البلاد مرورها ، وبإقامتهم فيها فسدت أمورها ، وعمّ الضرر العباد ، والخراب البلاد ، فعدنا بقيا عليها ، ونظرة لطف من اللَّه إليها . وها نحن الآن مهتمّون بجمع العساكر المنصورة ، ومشحذون ( 3 ) غرار عزائمنا المشهورة ، ومشتغلون بصنع المجانيق ( 4 ) وآلات الحصار ، وعازمون بعد الإنذار * ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) * ( 5 ) وقد سيّرنا حاملي هذا الكتاب الأمير الكبير ناصر الدين علي خواجا ، والإمام العالم ملك القضاة جمال الدين موسى بن يوسف ، وقد حمّلنا هما كلاما شافهنا هما به ،
--> ( 1 ) سورة الأعراف 7 ، الآية 99 . ( 2 ) الثحثحة : صوت فيه بحّة عند اللهاة . قال الشاعر : ( وافر ) . أبحّ مثحثح صحل الثحيح لسان العرب ( ثحثح ) . ( 3 ) شحذ السكين والسيف ونحوهما يشحذه شحذا : أحدّه بالمسنّ وغيره مما يخرج حدّه ، فهو شحيذ ومشحوذ . ويقال : مرّ يشحذهم أي يطردهم . لسان العرب ( شحذ ) . ( 4 ) المجانيق : ج منجنيق ، وهي آلة حربية كانوا يرمون بها الحجارة ، مؤنثة . وهي يونانية . المحيط والمنجد ( جنق ) . ( 5 ) سورة الإسراء 17 ، الآية 15 .