أحمد بن علي القلقشندي
69
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
بحمد اللَّه إلى ذلك بما صدر إذننا به من فتح الطريق وتردّد التّجار ، فإذا أمعنوا الفكر في هذه الأمور وأمثالها لا يخفى عنهم أنها أخلاق جبلَّيّة طبيعية ، وعن شوائب التّكلَّف والتصنّع عريّة . وإذا كانت الحال على ذلك فقد ارتفعت دواعي المضرّة التي كانت موجبة للمخالفة ، فإنها إن كانت طريقا للذّبّ والذود عن حوزة الإسلام ، فقد ظهر بفضل اللَّه تعالى في دولتنا النّور المبين ، وإن كانت لما سبق من الأسباب ، فمن يتحرّى الآن طريق الصّواب ، فإنّ له عندنا لزلفى وحسن مآب . وقد رفعنا الحجاب ، وأتينا بفصل الخطاب ، وعرّفناهم [ طريقتنا و ] ما عزمنا بنيّة خالصة للَّه تعالى على استئنافها ، وحرّمنا على جميع العساكر العمل بخلافها ، لنرضي اللَّه والرسول ، ويلوح على صفحاتها آثار الإقبال والقبول ، وتستريح من اختلاف الكلمة هذه الأمّة ، وتنجلي بنور الائتلاف ، ظلمة الاختلاف ، والغمّة ، ويشكر سابغ ظلَّها البوادي والحواضر ، وتقرّ القلوب التي بلغت من الجهل الحناجر ، ويعفى عن سالف الجرائر ، فإن وفّق اللَّه سلطان مصر إلى ما فيه صلاح العالم ، وانتظام أمور بني أدم ، فقد وجب عليه التّمسك بالعروة الوثقى ، وسلوك الطريقة المثلى ، بفتح أبواب الطاعة والاتّحاد ، وبذل الإخلاص بحيث تعمر تلك الممالك وتيك البلاد ، وتسكن الفتنة الثائرة ، وتغمد السّيوف الباترة ، وتحلّ العامّة أرض الهوينى ( 1 ) وروض الهدون ( 2 ) ، وتخلص رقاب المسلمين من أغلال الذّلّ والهون . وإن غلب سوء الظن بما تفضّل به واهب الرحمة ، ومنع معرفة هذه النعمة ، فقد شكر اللَّه مساعينا وأبلى عذرنا ، * ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) * ( 3 ) واللَّه تعالى الموفّق للرّشاد والسّداد ، وهو المهيمن على البلاد والعباد ، إن شاء اللَّه تعالى .
--> ( 1 ) الهوينا : التؤدة والرفق والسكينة والوقار . لسان العرب ( هون ) . ( 2 ) الهدون : الدعة والسكون . لسان العرب ( هدن ) . ( 3 ) سورة الإسراء 17 ، الآية 15 .