أحمد بن علي القلقشندي

98

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

لثمه واستلامه ، وألفى به ريّا ناقعا لغليل الشوق المبرّح إلى اجتلاء غرّته الكريمة وأوامه ( 1 ) ؛ وجعل يتتبع سطوره ، ويستقري فقره وشذوره ، فلا يقف من ذلكم كلَّه إلا على ما يملأ حوباءه ( 2 ) جذلا ، ويخوّله الابتهاج غنما ونفلا ( 3 ) ؛ ويبوّئه أسنى مراتب التشريف قننا وقللا ( 4 ) ؛ وهو على ما حكمت به الأقضية من شحطه عن المثابة الواثقيّة شرّفها اللَّه وشسوعه ، وإيواء مغاني أنسه لذلكم ورجوعه ؛ لا يجد أنسا إلا ما يتوالى قبله من متعهّد اهتمامها ، وتهديه إليه ألسنة أقلامها ؛ فكلما وفد عليه من صحائفها المكرّمة وافد ، وورد من حضرتها المعظَّمة وارد ؛ فقد جدّد الزمان عنده يدا غرّا ، وأطلع عليه بدرا ، وأفاده من الابتهاج ما يعمر الخلد ، وينشر نسيم الاستبشار إذا سكن وركد ؛ وما ينفكّ على نأي المكان ، وبعد الأوطان ، يحافظ على رسمه من خدمها ، ويؤدّي وظائف الشكر بجسيم منحها وعميم نعمها ، ويجعل على نفسه المتملَّكة رقيبا من أن يخلّ في سرّ أو جهر بعهد من عهودها أو ذمّة من ذممها ؛ ومهما تجدّد صنع يتعين إهداؤه ، ويجب قضاء الحق بالدلالة عليه وأداؤه ؛ لم يصحبه في المطالعة به توان ، ولم يعبر في جلائه أوانا إلى أوان . وقد كان قدّم مطالعاته قبل إلى الباب الواثقيّ شرفه اللَّه باسطا لتفاصيل الأحوال ، وشارحا لها على الاستيفاء والكمال ؛ ولم يتجدّد بعد ذلك إلا تمكَّن الرجاء في فتح لبلة ( 5 ) يسّر اللَّه مرامها عن دنوّ بحول اللَّه وقرب ، وأنطق لسان الحال بتيسير كلّ عصيّ من محاولاتها وصعب . ولو أنّ مكانا عضّه الدهر من أنياب حوادثه

--> ( 1 ) « أوام » معطوفة على غليل الشوق . والأوام هو حرارة العطش . يقال : في جوفه أوام وأوار . ( 2 ) حوباؤه : نفسه . ( 3 ) النفل : الغنيمة . وفي التنزيل العزيز : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَنْفالِ قُلِ الأَنْفالُ لِلَّه والرَّسُولِ الأنفال / 1 . ( 4 ) القنن والقلل بمعنى واحد : وهو قمة الشيء . ( 5 ) في التقسيم الإداري الأندلسي كانت لبلة Niebla قاعدة كورة تحمل نفس الاسم تقع شمال كورة اكشونبة Ocsonoba ، وكانت تسمى لبلة الحمراء . ولبلة على خمسين كيلومترا غربي إشبيلية ، على الضفة الغربية للنهر الأحمر Riotinto وهي تابعة لمديرية « ولبة » . وقد ذهب بروفنسال إلى أن أصل اسمها لاتيني هو Ilipla . ويرجح الدكتور حسين مؤنس أن أصله . Nebula بدليل أن النسبة إليها nebulense . وقد دخلت لبلة في حوزة الإسلام على يد عبد العزيز بن موسى بن نصير سنة 94 ه / 714 م وخرجت عنها نهائيا سنة 655 ه / 1257 م على يد الفونسو العاشر . ( انظر : الحلة السيراد : 2 / 181 - حاشية وصفة جزيرة الأندلس : 168 ومعجم البلدان : 5 / 10 ) .