أحمد بن علي القلقشندي

94

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

والرجال تطأ عقبيه ، والملوك تطيع أمره والشّجعان تبذل أنفسهم بين يديه ، والعدو يعرف منه خصما طالما خاطبه بلسان السيف منه إليه . وليس كلّ من قدر عليه أراده ، وعكَّا أقرب من خلاط وأنفع للمسلمين فتحا ، وأعظم في الكفّار قدحا ؛ فواللَّه لئن انغلق باب الشام في وجه الكفر ، لتنقطعنّ آمال أهل البحر والبرّ ؛ وما دام في الشام بقية من الكفر فهو يقبل الزّيادة ، وينتظر النّجدة ويؤمّل الاستعادة ؛ وما كرر المملوك هذا الحديث جهلا بما يجب في خدمة الملوك من الأدب في أن يتكلَّم في القضية إلا من استشير فيها ، ولا يجتريء على الكلام إلا إذا كان مجيبا بما يؤمر بالإجابة عنه ، ولكن المملوك غلب على الصّحبة ، وانقطع عن الخدمة ، وعلم أنه لو كان حاضرا لكان مولانا يبسطه ولا يقبضه ، ويستشفّ ما عنده ويستعرضه ، ويشفّع قلبه في لسانه إذا هفا ، ويحمله على صفاء ضميره فيما يقوله فلا يقابل بالتكدير من صفا ؛ فقد علم اللَّه أن المملوك يتمنّى للمسلمين أن يردّ عليهم حقّهم ، وترجع إليهم بلادهم ، وأن تكون هذه الأمنيّة جارية على يد مولانا ومستفادة من عزيمته ، ومكتوبة في صحيفته ، ومغتنمة فيما يمدّه اللَّه في حياته ؛ فإن الأمور فيما بعد ملموحة ، ولكن أبواب قدرة اللَّه مفتوحة ؛ فاللَّه يجعل منها أن يفتح على مولانا فيه بلاد الساحل ، وأن يأخذ للإسلام به أهبة المقيم وللمقيم أهبة الراحل ؛ وما يخلط المملوك هذا المهمّ بغيره ، طالع به ، ولمولانا علوّ الرأي . الأسلوب الثاني ( أن تفتتح المكاتبة بيقبّل الأرض مصدّرا بالمملوك ) وهي من مصطلحات الدولة الأيّوبية أيضا إذا كان المكتوب عنه دون من تقدّم . كما كتب القاضي الفاضل عن نفسه إلى السلطان « صلاح الدين يوسف بن أيوب » يهنئه بمولود ولد له : المملوك يقبّل الأرض بالمقام العالي الناصريّ نصر اللَّه الإسلام بمقامه ، وأهلك أعداء الحقّ بانتقامه ، ولا أعدم الأمة المحمدية عقد اعتزائه بكفالتها ومضاء اعتزامه .