أحمد بن علي القلقشندي

9

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

آخر عن أوّل ، ويأثرها ( 1 ) غابر عن ماض ، وتخلَّد في بطون الصحائف ، وتحملها الرّكبان ، ويتحدّث بها في الآفاق ، وتلحق بها وبأعقابك عارا ما أطَّرد الليل والنهار ، واختلف الظَّلام والأنوار . فحينئذ تعلم أيّها المخالف أمر أبيه ، القاطع رحمه ، العاصي ربّه ؛ أيّ جناية على نفسك جنيت ؟ وأيّ كبيرة اقترفت واجتنيت ، تتمنّى ، لو كانت فيك مسكه ( 2 ) ، أو فيك فضل إنسانيّة ، أنك لم تكن ولدت ، ولا في الخلق عرفت ، إلا أن تراجع من طاعتنا والإسراع إلى ما قبلنا خاضعا ذليلا كما يلزمك ، فنقيم الاستغفار مقام اللعنة ، والرّقة مقام الغلظه ؛ والسلام على من سمع الموعظة فوعاها ، وذكر اللَّه فاتّقاه ، إن شاء اللَّه تعالى . وكما كتب الأخشيد محمد بن طغج [ صاحب الديار المصرية ] ( 3 ) وما معها من البلاد الشامية ، والأعمال الحجازيّة ، إلى أرمانوس : ملك الروم ، وقد أرسل أرمانوس إليه كتابا يذكر من جملته بأنه كاتبه وإن لم تكن عادته أن يكاتب إلا الخليفة ، فأمر بكتابة جوابه فكتب له الكتّاب عدّة أجوبة ورفعوا نسخها إليه ، فلم يرتض منها إلا ما كتبه إبراهيم بن عبد اللَّه النّجيرميّ ( 4 ) وكان عالما بوجوه الكتابة .

--> ( 1 ) أي ينقلها ويرويها . ( 2 ) المسكة : ما يتمسك به . ( 3 ) بياض بالأصل ، والزيادة عن ضوء الصبح للمؤلف ص : 467 . وقد ولي محمد بن طغج حكم مصر سنة 323 ه في خلافة الراضي باللَّه ؛ وتوفي الأخشيد سنة 335 ه . وهو مؤسس الدولة الإخشيدية بمصر والشام . وقد كان الاخشيد مصدر فزع للإمبراطورية البيزنطية حتى أن الإمبراطور « رومانوس » تودد إليه ومدحه . ( راجع الأعلام : 6 / 174 وتاريخ الإسلام : 3 / 235 ) . ( 4 ) نسبة إلى « نجيرم » . قال ياقوت : « بفتح أوله وثانيه وياء ساكنة وراء مفتوحة ، ويروى بكسر الجيم ، بليدة مما يلي البصرة على جبل هناك على ساحل البحر . وقد نسب إليها قوم من أهل الأدب والحديث ، منهم إبراهيم بن عبد اللَّه النجيرمي » وله « ايمان العرب في الجاهلية » و « الأمالي » . ( انظر معجم البلدان : 5 / 274 والأعلام : 1 / 49 ) .