أحمد بن علي القلقشندي
85
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
دون المراسلة وتطاولها ، وتنقّل الأحوال والدّول وتناقلها ، لا يزيد مودّته إلَّا استحكام معاقد ، وانتظام عقائد ، ووفاء مواعد ، وصفاء موارد ؛ وأنه لا تباعد بين القلوب بغرض المرمى المتباعد ، ولا تفرّق المسافات القواصي ما بين النّيات القواصد . فلما تأخرت الإجابة ، تقدّمت الاسترابة ، وتناجت الظنون المعتلجة ، وتراجعت الآراء المختلجة ، بأن الرسول عاقته دون المقصد عوائق ، وتقسّمته من الأحداث دون الطريق طرائق ؛ فلم ترد المكاتبة إلى جنابه ، ولا أسعد السعي بطروق جنابه ، الذي تنال السعادة وتجنى به ، وإلا فلو أنه أمّ له ، بلغ ما أمّله ، ولو وصله ، لأجاب عما أوصله ؛ لأن مكارم خلائقه تبعث على التبرّع بالمسنون فكيف بقضاء المفروض ، وشرائف طرائقه تأبى للحقوق الواجبة أن تقف لديه وقف المطَّرح المرفوض . فجدّدنا هذه المكاتبة مشتملة على ذلك المراد ، وفاوضناه بما يعيره الإصغاء ، ويجنّبه الإلغاء ، ويحسن له الإنصات ، ولا يحتاج فيه إلى الوصات ( 1 ) ورسمنا أن يكتمه حتّى من لسانه ، وأن يطويه حتّى عن جنانه ، وأن يتمسك بالأمر النبويّ في استعانته على أمره بكتمانه ؛ فمن حسن الحزم سوء الظن ، وهل لأرباب الأسرار فرج إلا ما دامت في السجن ، وقد استلزمنا المرتهن لما استعظمنا الرهن ، وفوّضنا إلى من لا يعترينا فيه الوهم ولا منه الوهن ؛ ونحن تحبّبنا بما يعلم به حسن موقع رسالة الاسترسال ، وبما يبيّن به عن دلالة الإدلال ، وبما يرحّب بمودّته مجال الجمال ؛ واللَّه سبحانه يؤيّد الملك بنصر تستخدم له الأقدار ، وسعادة لا تتصرّف في تصريفها أحكام الفلك المدار ، وإقبال يقابل آراءه وآدابه في فاتحة الورد وعاقبة الإصدار ، وعزّ لا يزال منه متوقّلا ( 2 ) في درجات الاقتدار إن شاء اللَّه تعالى .
--> ( 1 ) لعلها : « الوصاة » وهي الوصية . ( 2 ) توقّل في الجبل : صعّد فيه .