أحمد بن علي القلقشندي

82

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ولم يسع في مثلها لغيره قدمان ، وانتهت في تمكين القواعد وتوطيدها ، وتأكيد الأحوال وتمهيدها ، والتجرّد في تحصيل الأرب ، وتيسير المطلب ، إلى ما يوجبه الودّ المحصف ( 1 ) الأمراس ، والمصافاة الخالصة من الشوائب والأدناس ؛ فآنست في مقابلة ذلك من الالتفات إلى ما أوردته مما يبيّن عن لطف مكاتبته بالموقف الأشرف ويعرب ، ويصفو مورد الفخار بمثله ويعذب ، وجدّد من التشريف والزيادة فيه ما يؤفي على الذي تقدّمه قدرا ، ويجلّ طوقه عن أن يرضى عمرا ، وشفع ذلك بتنفيذ التشريفات لولده أيّد اللَّه علوّه والمطيفين بحضرته ، واللائذين بحوزته ، وابتدائهم بالإحسان والإنعام ، والتّكرمة الموفية على المرام ، إكبارا لشأنه ، وإبانة عن محلَّه من الآراء الشريفة ومكانه ، وإيثارا لإعظام أمره ، وإعلاء قدره ، ليعلم - أيد اللَّه علوّه - مكان التجرّد في هذه الحال ، وصدق السعي الذي افترّت ثغوره عن نجح الآمال ، وأرجو أن يصادف حسن المقام في ذلك عنده موقعه ، ويلقى لديه اعترافا يوافق مرآه مسمعه . فأما الإشارة إلى المشار إليه في التوزّع لتلك الهنات الجارية ، التي ما زالت الأيام بمثلها جائية ، والاستبشار بزوال ما عرض واضمحلاله ، وعود الرأي الأشرف إلى أكمل أحواله ، وقد عرفها بمزيد الاعتداد والشكر قائلها ، ولم يكن الذي جرى مما يشعّب فكرا ، أو يتوزّع سرّا ، فإن الاعتداد الأشرف كان بحمد اللَّه محفوظا ، والاجتهاد في الخدمة بعين الاعتراف والرضا ملحوظا ، لم تحله حال متجدّده ، ولا رتعت الحوادث مورده ؛ وما زالت ثغور الأيّام في كل وقت عن الزيادة باسمه ، وسحبه بنجح اشتطاط ( 2 ) الآمال ساجمه ، والمندوب لتحمّل المثال وما يقترن به من التشريف فلان ، وهو من أعيان العلماء ، ومن له في ميدان السبق شأو القرناء ؛ وله في الدار العزيزة مجّدها اللَّه الخدمة الوافية ، والمكانة الوافرة ، وما زالت مذاهبه في خدمه حميدة ، ومقاصده على تقلَّب الحالات مرضيّة سديدة ؛

--> ( 1 ) استحصف الشيء : جاد واستحكم . يقال : استحصف الحبل ، واستحصف الرأي ورأي حصيف . ( 2 ) الشطط والاشتطاط : البعد والمبالغة .