أحمد بن علي القلقشندي

8

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وقلة الاحتفال والأكتراث به ؛ وإني اقتصرت من عقوبتك على ما أخلقته ( 1 ) بنفسك من الإباق ( 2 ) إلى أقاصي بلاد المغرب شريدا عن منزلك وبلدك ، فريدا من أهلك وولدك ؛ والآخر أنّي علمت أن الوحشة دعتك إلى الانحياز إلى حيث انحزت إليه ، فأردت التسكين من نفارك ، والطمأنينة من جأشك ( 3 ) ، وعملت على أنك تحنّ إلينا حنين الولد ، وتتوق إلى قربنا توقان ذي الرّحم والنّسب ؛ فإنّ في رفقنا بك ما يعطفك إلينا ، وفي تآخينا إيّاك ما يردّك علينا ، ولم يسمع منا سامع في خلاء ولا ملإ انتقاصا بك ، ولا غضّا منك ؛ ولا قدحا فيك ، رقّة عليك ، واستتماما لليد عندك ، وتأميلا لأن تكون الراجع من تلقاء نفسك ، والموفّق بذلك لرشدك وحظَّك ؛ فأما الآن مع اضطرارك إيّاي إلى ما اضطررتني إليه من الانزعاج نحوك ، وحبسك رسلي النافذين بعهد كثير إلى ما قبلك ؛ واستعمالك المواربة والخداع فيما يجري عليه تدبيرك . فما أنت بموضع للصّيانة ، ولا أهل للإبقاء والمحافظة ، بل اللعنة عليك حالَّه ، والذّمّة منك بريّة ، واللَّه طالبك ومؤاخذك بما استعملت من العقوق والقطيعة ، والإضاعة لرحم الأبوّة ، فعليك من ولد عاقّ شاقّ ( 4 ) لعنة اللَّه ولعنة اللاعنين ، والملائكة والناس أجمعين ؛ ولا قبل اللَّه لك صرفا ولا عدلا ( 5 ) ، ولا ترك لك منقلبا ترجع إليه ، وخذلك خذلان من لا يؤبه له ، وأثكلك ولا أمهلك ، ولا حاطك ولا حفظك . فو اللَّه لأستعملنّ لعنك في دبر كلّ صلاة ، والدعاء عليك في آناء الليل والنهار ، والغدوّ والآصال ؛ ولأكتبنّ إلى مصر ، وأجناد الشامات والثّغور ، وقنّسرين ، والعواصم ، والجزيرة ، والحجاز ، ومكَّة ، والمدينة كتبا تقرأ على منابرها فيك ، باللَّعن لك ، والبراءة منك ، والدلالة على عقوقك وقطيعتك ، يتناقلها

--> ( 1 ) ليس لهذا اللفظ معنى مناسب هنا ، ولعل في الأصل تحريفا ؛ والأوضح « أحللته » . وأحلّ : أخرج نفسه من تبعة أو عهد . ( 2 ) الإباق : الهرب . ( 3 ) الجأش : رواع القلب إذا اضطرب عند الفزع . ( 4 ) لعل فيها تحريفا . والأوضح : « مشاقّ » أي مخالف . ( 5 ) الصرف : التوبة ؛ والعدل : الفدية .