أحمد بن علي القلقشندي

75

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

والرضا عن آله الذين كانوا في سماء ملَّته لهداية أمته كالشّهب الثّواقب ، فإنا كتبناه إليكم - كتب اللَّه لكم توالي المواهب ، ووضوح المذاهب ، ووقوف الدهر لديكم موقف الثائب من القدح النائب ، ووالى لديكم مفاتحة الكتب المهنّئة بفتوح الكتائب - من حمراء غرناطة - حرسها اللَّه - وفضل اللَّه بتعرّف صنعه لكم هامي السّحائب ، وكفيل بنيل الرغائب ؛ والسرور بما سناه اللَّه لكم من استقامة أحوالكم شأن الشاهد والغائب ، والرائح والآئب . والحمد للَّه على ما توالى من الألطاف والعجائب . وقد وصل كتابكم الذي أكَّد السّرور وأصّله ، وأجمل مقتضى البشرى وفصّله ، ونظَّم خبر الفتح ووصّله ، وراش سهم السّعادة والسّداد والعناية والإمداد ، ونصّله ( 1 ) ، وأحرز حظَّ السعادة وحصّله ، تعرفون ما أتاح لكم اللطيف الخبير ، والوليّ النصير ، من الصّنع الذي اتّسق نظامه ، والنصر الذي سنّت في أمّ الكتاب أحكامه ، والعز الذي خفقت أعلامه ، والتوفيق الذي قرطست الغرض ( 2 ) سهامه ، وأنكم من بعد الكائنة التي راش ( 3 ) لطف اللَّه بها وجبر ، وأحسن الخير وأدال الخبر ، وجعل العاقبة الحسنى لمن صبر ، جهزتم الجيوش المختارة ، والعساكر الجرّارة ، يقودها الخلصان من الوزراء ، وتتقدّم رايتها ميامن الآراء ، فكتب اللَّه ثبات أقدامها ، وتولَّى نصر أعلامها ؛ ولم يكن إلا أن حمي وطيس النّزال ، ورجفت الأرض لهول الزّلزال ، وتعوطيت كؤوس الآجال ، في ضنك المجال ؛ ودجا القتام ( 4 ) ، وتوهّم مع فضل اللَّه الاغتنام ، وعبس الوجه العبّاس وضحك النّصل البسّام ، وأورد الخيل موارد الطَّعان الإقدام ، فكان لحزبكم الظهور الذي حكَّم المهنّدة في الرّقاب ، والسّمر الطَّوال في الثّغر ثم في الأعقاب ، وبشّرت برؤية هلال الفتح عيون الارتقاب ، وحطَّ عن

--> ( 1 ) راش السهم ونصّله : جعل فيه ريشا وله نصلا . ( 2 ) قرطست الغرض : أصابته . والقرطاس : الصحيفة ، وكل ما ينصب للنضال وهو الغرض . يقال : رمى فقرطس . ( 3 ) راش هنا : بمعنى أعان . ( 4 ) القتام : الغبار الأسود .