أحمد بن علي القلقشندي

72

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

بناره ، ونازل جبل الفتح فشدّ مخنق حصاره ، وأدار أشياعه في البرّ والبحر دور السّوار على أسواره ، وانتهز الفرصة بانقطاع الأسباب ، وانبهام الأبواب ، والأمور التي لم تجر للمسلمين بالعدوتين على مألوف الحساب ؛ وتكالب التثليث على التوحيد ، وساءت الظَّنون في هذا القطر الوحيد ، المنقطع بين الأمم الكافرة ، والبحور الزاخرة ، والمرام البعيد . وإننا صابرنا باللَّه تيّار سيله ، واستضأنا بنور التوكَّل عليه في جنح هذا الخطب ودجنّة ليله ، ولجأنا إلى من بيده نواصي الخلائق ، واعتلقنا من حبله المتين بأوثق العلائق ، وفسّحنا مجال الأمل في ذلك الميدان المتضايق ؛ وأخلصنا للَّه مقيل العثار ، ومولى أولي الاضطرار ، قلوبنا ، ورفعنا إليه أمرنا ، ووقفنا عليه مطلوبنا ، ولم نقصّر ذلك في إبرام العزم واستشعار الحزم ، وإمداد الثّغور بأقصى الإمكان ، وبعث الجيوش إلى ما يلينا من بلاده على الأحيان ؛ فرحم اللَّه انقطاعنا إلى كرمه ، حين لجأنا إلى حرمه ، فجلا بفضله سبحانه ظلام الشّدّة ، ومدّ على الحريم والأطفال ظلال رحمته الممتدّة ، وعرّفنا عوارف الصّنع الذي قدم به العهد على طول المدّة ، ورماه بجيش من جيوش قدرته أغنى عن إيجاف الرّكاب ، واحتشاد الأحزاب ، وأظهر فينا قدرة ملكه عند انقطاع الأسباب ، واستخلص العباد والبلاد من بين الظَّفر والناب ؛ فقد كان سدّ المجاز بأساطيله ، وكاثر كلمة الحقّ بأباطيله ، ورمى الجزيرة الأندلسيّة بشؤبوب شرّه ، وصيّرها فريسة بين غربان بحره وعقبان برّه ، فلم يخلص إلى المسلمين من إخوانهم مرفقة إلا على الخطر الشديد ، والإفلات من يد العدوّ العنيد ، مع توفّر العزائم - والحمد للَّه - على العمل الحميد ، والسعي فيما يعود على الدّين بالتأييد . وبينما شفقتنا على جبل الفتح تقيم وتقعد ، وكلب الأعداء عليه يبرق ويرعد ، واليأس والرجاء خصمان هذا يقرّب وهذا يبعد ، إذ طلع علينا البشير بانفراج الأزمة ، وحلّ تلك العزمة ( 1 ) ، وموت شاة ( 2 ) تلك الرّقعة ، وإبقاء اللَّه على

--> ( 1 ) العزمة بفتح العين مثل العزم وهو الصبر والجدّ . ومن معانيها أيضا : الحق والواجب ؛ يقال : هذا عزمة من غرمات اللَّه ، أي حق من حقوقه . ولا نجد هذه المعاني مناسبة هنا . ولعل المراد « العزمة » - بضم العين - وهي الجماعة والأسرة والقبيلة . ( 2 ) لعل المراد : « شاه تلك الرقعة » وليس بالتاء المربوطة . والشاه : الملك ( فارسية ) ومنه الشاه المستعمل في رقعة الشطرنج . والإشارة إلى موت ملك قشتالة في تلك المعركة كما تقدّم .