أحمد بن علي القلقشندي

73

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

تلك البقعة ؛ وأنه سبحانه أخذ الطاغية أكمل ما كان اغترارا ، وأعظم أنصارا ؛ وزلزل أرض عزّه وقد أصابت قرارا ؛ وأنّ شهاب سعده أصبح آفلا ، وعلم كبره انقلب سافلا ؛ وأن من بيده ملكوت السماوات والأرض طرقه بحتفه ، وأهلكه برغم أنفه ؛ وأن محلَّته عاجلها التّباب والتّبار ( 1 ) ، وعاثت في منازله النار ، وتمخّض عن سوء عاقبته الليل والنّهار ، وأن حماتها يخربون بيوتهم بأيديهم ، وينادي بشتات الشّمل لسان مناديهم ، وتلاحق بنا الفرسان من جبل الفتح : المعقل الذي عليه من عناية اللَّه رواق مضروب ، والرّباط الذي من حاربه فهو المحروب ، فأخبرت بانفراج الضيّق ، وارتفاع العائق لها عن الطَّريق ، وبرء الداء الذي أشرق بالرّيق . وأن النصارى دمّرهم اللَّه جدّت في ارتحالها ، وأسرعت بجيفة طاغيتها إلى سوء مآلها ، وسمحت [ للسّهب ] ( 2 ) والنّهب والنار بأسلابها وأموالها ؛ فبهرنا هذا الصّنع الإلهيّ الذي مهّد الأقطار بعد رجفانها ، وأنام العيون بعد سهاد أجفانها ، وسألنا اللَّه أن يعيننا على شكر هذه النّعمة التي إن سلَّطت عليها قوى البشر فضحتها ورجحتها ، أو قيست بالنعم فضلتها ؛ ورأينا سرّ اللطائف الخفيّة كيف سريانه في الوجود ، وشاهدنا بالعيان أنوار اللطف الإلهيّ والجود ، وقلنا إنما هو الفتح الأوّل شفع بثان ، وقواعد الدين الحنيف أيّدت من صنع اللَّه ببيان . اللهم لك الحمد على نعمك الباطنة والظاهرة ، ومننك الوافرة ، أنت وليّنا في الدنيا والآخرة ؛ وأمرنا للحين فقلَّدت لبّات ( 3 ) المنابر بهذا الخبر ، وجلَّيت في جماعات المسلمين وجوه هذا الفتح الرائق بالغرر ؛ وعجّلنا تعريفكم به ساعة

--> ( 1 ) التّباب والتّبار : الهلاك . ( 2 ) الزيادة من « ريحانة الكتاب » . وسهبه سهبا : أخذه . ( 3 ) اللَّبّة في الأصل موضع القلادة من العنق ، وقد استعارها للمنابر .