أحمد بن علي القلقشندي
7
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وأمّا ما منّيتناه من مصيرك إلينا في حشودك وجموعك ، ومن دخل في طاعتك ؛ لإصلاح عملنا ، ومكافحة أعدائنا ؛ بأمر أظهروا فيه الشماتة بنا ، فما كان إلا بسببك فأصلح أيها الصبيّ الأخرق أمر نفسك قبل إصلاحك عملنا ، واحزم في أمرك قبل استعمالك الحزم لنا ؛ فما أحوجنا اللَّه وله الحمد إلى نصرتك وموازرتك ، ولا اضطررنا إلى التكثر [ بك ] على شقاقك ومعصيتك : * ( وما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ) * ( 1 ) وليت شعري على من تهوّل بالجنود ، وتمخرق ( 2 ) بذكر الجيوش ؛ ومن هؤلاء المسخّرون لك ، الباذلون دماءهم وأموالهم وأديانهم دونك ؟ دون رزق ترزقهم إيّاه ، ولا عطاء تدرّه عليهم ؛ فقد علمت إن كان لك تمييز ، أو عندك تحصيل ؛ كيف كانت حالك في الوقعة التي كانت بناحية أطرابلس ( 3 ) ، وكيف خذلك أولياؤك والمرتزقة معك حتّى هزمت ، فكيف تغترّ بمن معك من الجنود الذي لا اسم لهم معك ؛ ولا رزق يجري لهم على يدك ؟ فإن كان يدعوهم إلى نصرتك هيبتك والمداراة لك والخوف من سلطانك ، فإنهم ليجذبهم أضعاف ذلك منّا ، ووجودهم من البذل الكثير والعطاء الجزيل عندنا ما لا يجدونه عندك ، وإنهم لأحرى بخذلك ، والميل إلينا دونك . ولو كانوا جميعا معك ومقيمين على نصرتك ، لرجونا أن يمكَّن اللَّه منك ومنهم ، ويجعل دائرة السّوء عليك وعليهم ، ويجرينا من عادته في النّصر وإعزاز الأمر على ما لم يزل يتفضّل علينا بأمثاله ، ويتطوّل بأشباهه . فما دعاني إلى الإرجاء لك ، والتسهيل من خناقك ( 4 ) والإطالة من عنانك ، طول هذه المدّة إلا أمران : أغلبهما كان عليّ احتقار أمرك واستصغاره ؛
--> ( 1 ) الكهف / 51 . ( 2 ) مخرق : هوّل . ( 3 ) تقال بحذف الألف وإثباتها . والمقصود طرابلس الغرب ؛ وهو يشير هنا إلى هزيمة ابنه العباس على يد عامل طرابلس وإلياس بن منصور الأباضي . وفي هذه المعركة كاد العباس يؤسر . ( 4 ) الخناق : الحبل يخنق به .