أحمد بن علي القلقشندي

69

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

مزيد سعدكم وميضه خافق علمه ، وودّكم ثابت في مواقف الخلوص قدمه . وقد اتصل بنا ما كان من دخول حضرة بجاية حرسها اللَّه في طاعتكم ، وانتظامها في سلك جماعتكم ، وانقطاعها إلى عصمتكم ، وتمسّكها بأزمّتكم ، وعقدكم منها ومن أختها السابقة الذّمام ، الخليقة بمزيد الاهتمام ، على عقيلتي الأقطار التي لا يجمع بينهما إلا ملك همام ، وخليفة إمام ، ومن وضحت من سعادته أحكام ، وشهّرت بعناية اللَّه له أدلَّة واضحة وأعلام ، ومن جمع اللَّه له بين البرّ المتراكض الخيول ، والجيش المتدافع السّيول ، والخصب الذي تنضي مواجده ( 1 ) المستنجزة ظهور الخيول ، وبين البحر الشهير بنجدة الأسطول ، وإنجاز وعد النصر الممطول ، ومرسى السّفن التي تخوض أحشاء البحار ، وتجلب مرافق الأمطار والأقطار ، وتتحف على النّأي بطرف الأخبار . بجاية وما بجاية دار الملك الأصيل العتيق وكرسيّ العزّ الوثيق ، والعدّة ، إذا توقّعت الشّدّة ، كم ثبتت على الزّلزال ، وصابرت مواقف النّزال ، أمطاكم السّعد صهوتها ، وأحلَّكم التوفيق ربوتها ، من غير مطاولة حصار ، ولا استنفاد ذي وسع واقتدار ، ولا تسوّر جدار ، فأصبحت دولتكم السعيدة تتفيّأ [ جنى الجنّتين ، وتختال في حلَّتين ، وتجمع بفتيا ] ( 2 ) السيوف المالكيّة بين هاتين الأختين ؛ أوزعكم اللَّه شكرها من نعمة جلَّت مواهبها ، ووضحت مذاهبها ، وصنيعة بهرت عجائبها . وإذا كانت عقائل النّعم ( 3 ) تخطب أكفاءها ، وموارد المنن تعرض على الورّاد صفاءها ، فأنتم أهلها الذين لكم تذخر ، وبمن دونكم تسخر ؛ فإنكم تميزتم بخصال العفاف والبسالة ، والحسب والجلالة ، وأصبحتم في بيتكم صدرا ، وفي هالة قومكم بدرا ، مواقفكم شهيرة ، وسيرتكم في الفضل لا تفضلها سيرة ، ونحن

--> ( 1 ) أنضى الدابة : هزلها وأتعبها . والمواجد : جمع الوجد ، وهو اليسار والسعة والكثرة . وفي التنزيل العزيز : أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ . ( 2 ) الزيادة من « ريحانة الكتاب » . ( 3 ) العقائل : جمع عقيلة ، وهي في الأصل السيدة المخدّرة والزوجة الكريمة الحسب والنسب . وعقائل النعم ( بالنون المشددة المفتوحة ) : أي كرام الإبل .