أحمد بن علي القلقشندي

44

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الأقسام ، وعرّفكم عوارف نعمه الثّرّة ( 1 ) وآلائه الجسام - من حمراء غرناطة - حرسها اللَّه - واليسر بفضل اللَّه طارد الأزمات بعد ما قعدت ، وكاشف الشدائد بعد ما أبرقت وأرعدت . ثم ما عندنا من الاعتداد بإيالتكم ( 2 ) التي أنجزت لنا في اللَّه ما وعدت ، ومددنا إليها يد الانتصار على أعدائه فأسعدت ، إلا الصّنع العجيب ، واليسر الذي أتاح ألطافه السميع المجيب ؛ واليمن الذي رفع عماده التيسير الغريب ، ومدّ رواقه الفرج القريب ؛ وإلى هذا أيّدكم اللَّه على أعدائه ، وأجزل لديكم مواهب آلائه ، وحكم للإسلام على يديكم بظهوره واعتلائه ، وعرّفكم من أخبار الهنيّ المدفع ( 3 ) وأنبائه كلّ شاهد برحمته واعتنائه . فإنا كتبناه إليكم نحقّق لديكم البشرى التي بمثلها تنضى الرّكاب ( 4 ) ، ويخاض العباب ، ونعرض عليكم ثمرة سعدكم الجديد الأثواب ، المفتّح للأبواب ، علما بما عندكم من فضل الأخلاق ، وكرم الأعراق ؛ وأصالة الأحساب ، والمعرفة بمواقع نعم اللَّه التي لا تجري لخلقه على حساب ، والعناية بأمور هذا القطر الذي تعلَّق أذيال ملككم السامي الجناب . [ وقد تقرر لدى مقامكم الأسنى ما كانت الحال آلت إليه بهذا الطاغية ] ( 5 ) الذي غرّه الإمهال والإملاء ( 6 ) ، وأقدمه على الإسلام التمحيص المكتوب والابتلاء ؛ فتملَّاء ( 7 ) تيها وعجبا ، وارتكب من قهر هذه الأمة المسلمة مركبا صعبا ، وسام كلمة الإسلام بأسا وحربا ، فكتائب برّه توسع الأرجاء طعنا وضربا ، وكتائب بحره تأخذ كلّ سفينة غصبا ، والمخاوف قد تجاوبت شرقا وغربا ، والقلوب قد بلغت الحناجر

--> ( 1 ) الثرّة : الكثيرة الغزيرة . ( 2 ) الإيالة : قطعة من أرض الدولة يحكمها وال من قبل السلطان ؛ والمقصود هنا « فاس » . ( 3 ) المدفع ، بفتح الميم والفاء : مجرى المياه . والمراد : أخبار الفتح المتوالية المتدافعة كالسيل . ( 4 ) أنضى الدابّة : هزلها وأتعبها . والركاب : المطيّ واحدها راحلة من غير لفظها . والمراد : البشرى التي تستأهل إتعاب الركاب في طريقها إليكم . ( 5 ) ساقط من الأصل ، والزيادة من حاشية الطبعة الأميرية عن « ريحانة الكتاب » . ( 6 ) الإملاء : الإمهال . يقال : أملى اللَّه له وأملى له في غيه : أطال له وأمهله . وأملى الدابة ولها : وسّع لها في قيدها وأرخى . ( 7 ) تملأ : امتلأ فهو مليء ومملوء .