أحمد بن علي القلقشندي

45

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

غمّا وكربا ، وجبل الفتح الذي هو باب هذه الدار ، وسبب الاستعداء على الأعداء والانتصار ، ومسلك الملَّة الحنيفيّة إلى هذه الأقطار ، قد رماه ببوائقه ، وصيّر ساحته مجرّ عواليه ومجرى سوابقه ؛ واتّخذه دار مقامه ، وجعله شغل يقظته وحلم منامه ، ويسّر له ما يجاوره من المعاقل إملاء [ من اللَّه ] لأيامه ؛ فاستقرّ به القرار ، واطمأنّت الدار ، وطال الحصار وعجزت عن نصره الخيل والأنصار ، ورجمت الظَّنون ( 1 ) وساءت الأفكار ، وشجر ( 2 ) نظَّار القلوب الاضطرار ، إلى رحمة اللَّه والافتقار ، فجبر اللَّه الخواطر لمّا عظم بها الانكسار ، ودار بإدالة ( 3 ) الإسلام الفلك الدّوّار ، وتمخّض عن عجائب صنع اللَّه الليل والنهار ، وهبّت نواسم الفرج ، عاطرة الأرج ، ممن يخلق ما يشاء ويختار ، لا إله إلا هو الواحد القهّار . وبينما نحن نخوض من الشّفقة على ذلك المعقل العزيز على الإسلام لجّة مترامية المعاطب ( 4 ) ، ونقتعد صعبا لا يليق بالراكب ؛ ولولا التعلَّق بأسبابكم في أنواء تلك الغياهب ، وما خلص إلى هذه البلاد من مواهبكم الهامية المواهب ، ومواعيدكم الصادقة ومكارمكم الغرائب ، وكتبكم التي تقوم عند العدوّ مقام الكتائب ، وإمدادكم المتلاحق تلاحق العظام الجنائب ( 5 ) ، لما رجع الكفر بصفقة الخائب ، إذ تجلَّى نور الفرج من خلال تلك الظَّلمة ، وهمت سحائب الرحمة والنّعمة على هذه الأمّة ، ورمى اللَّه العدوّ بجيش من جيوش قدرته أغنى عن العديد والعدّة ، وأرانا رأي العيان لطائف الفرج من بعد الشّدّة ، وأهلك الطاغية حتف أنفه ، وقطع به عن أمله قاطع حتفه ، وغالته أيدي المنون في غيله ( 6 ) ، وانتهى

--> ( 1 ) يقال : رجّمه بالظن : رمى به ، ورجّم : تكلَّم بالظن ، ورجّم بالغيب : تكلم بما لا يعلم ، ورجمت الظنون : ذهبت به بعيدا . ( 2 ) يقال : شجر فلانا عن الأمر ، أي صرفه . ( 3 ) الإدالة : النصر . ( 4 ) المعاطب : جمع معطب وهو موضع العطب أو الفساد والهلاك . ( 5 ) الجنائب : جمع جنوب ، وهي الريح تهب من هذه الجهة . ( 6 ) غالته المنون غولا : أهلكته ، والغيل : موضع الأسد والجمع غيول وأغيال . والمراد : أهلكه الموت وهو في عرينه ومتحصّنه .