أحمد بن علي القلقشندي

37

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الضرب الثاني ( أن تعقّب البعدية بذكر المقصود من غير خطبة ثم يؤتى على المقصود إلى آخره على نحو ما تقدم ) كما كتب أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه القضاعيّ المعروف بالأبار ( 1 ) ، عن الأمير أبي جميل ( 2 ) إلى أهل ناحية بولاية وال عليهم وهي : أما بعد ، فالكتاب - كتب اللَّه لكم ملء الجوانب قرارا ، وأرسل عليكم سماء المواهب مدرارا - من فلانة ( 3 ) ، وليس إلا الخير الدائم ، واليسر الملازم ؛ وقد توالى إعلامكم بالغرض الجميل فيكم ، والاعتناء المتّصل بتمهيد نواحيكم ، وأنتم اليوم بثغر متحيّف ( 4 ) ، وجناب متطرّف ، يتضاعف الاحتياط عليه ، ويجب تيسير المير ( 5 ) إليه ؛ فالنظر له معمل ، والتهمّم به لا يهمل ؛ وهذه ألسن ( 6 ) قد ملك قيادها ، وأوثر بوجوه القرابة إمدادها ، وفلان قد خاطب يستأذن في القدوم على

--> ( 1 ) الصواب : « ابن الأبّار » المتوفى سنة 658 ه . كان من أعيان المؤرخين ؛ قال فيه المستشرق الهولندي دوزي أنه مؤرخ ثبت دقيق جدير بكل ثقة ، وأنه حافظ جمع فأوعى ، وحفل صدره من العلم بالمغرب والأندلس وبتاريخ الإسلام عامة ما لم يصل إليه إلا القلائل من علماء القرن السابع الهجري ، وأن أسلوبه الأدبي قوي جميل فيه فحولة ندرت بين أهل عصره . من أشهر وأهم مؤلفاته : « التكملة » لكتاب الصلة و « الحلة السيراء » . ( انظر ترجمة حياته مفصّلة في مقدمة الحلة السيراء لمحققها حسين مؤنس ، وفي الأعلام : 6 / 233 وفوات الوفيات : 3 / 404 ) . ( 2 ) هو زيان بن مدافع بن يوسف بن سعد بن مردنيش ، أبو جميل - بضم الجيم - ؛ كانت له بلنسية ودانية ، أخرجه الروم من الأولى في أوائل سنة 636 ه فاحتل مرسية وقتل صاحبها ابن خطاب ، ولكن أهلها ما عتموا أن ثاروا عليه وقتلوه وكتبوا بيعتهم إلى أبي زكرياء صاحب تونس . ( أنظر الأعلام : 3 / 56 والحلة السيراء : 2 / 127 - 262 - 306 ) . ( 3 ) المقصود « بلنسية » التي كان مقر حكم أبي جميل ، وفيها التحق به ابن الأبار وشغل منصب كاتب رسائله . ( مقدمة الحلة السيراء : ص 31 ) . ( 4 ) متحيّف : متطرّف . ( 5 ) المير : جمع ميرة ، وهي الطعام يجمع للسفر ونحوه . ( 6 ) لعله : « الأسنّ » جمع أسنية وهي الحبل والعنان .