أحمد بن علي القلقشندي

36

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وقد وقفنا على كتابكم معلما بخبر فلانة وما رأيتموه من المصلحة في تحصينها ، والاجتهاد في أسباب تأمينها ؛ ونحن نعلم أنكم تريدون الإصلاح ، وتتوخّون ما تتوسّمون فيه النّجاح ؛ لكن أهمّ الأمور عندنا ، وأولى ما يوافق غرضنا وقصدنا ، الرفق بالرعيّة ، وحملها على قوانين الإحسان المرعيّة - وعلى أثر وصول كتابكم وصلنا كتاب [ أهل ] فلانة ( 1 ) المذكورة يشكون ضرر الخدمة المتصرّفين فيهم ، ويتظلَّمون من متحيّفيهم ( 2 ) ومتعسّفيهم ؛ وفي هذا ما لا يخفى عليكم ، ولا ترضون به لو انتهى إليكم ؛ فإنه إذا كان الناظر في خدمة ممن لا يحسن سياسة الأمور ، ولا يعلم طريقة الرّفق الجارية بوفق الخاصة والجمهور ، أعاد التسكين تنفيرا ، والتيسير تعسيرا ، وتعلمون أنا لا نقدّم على إيثار العدل في عباد اللَّه المسلمين عملا ، ولا نبغي لهم باطنة بغير التخفيف عنهم والإحسان إليهم بدلا ؛ وأنتم أولى من يعتقد فيه أنه يكمّل هذا المقصد ، ويتحرّى في مصالح الرّعايا هذا السّنن الأرشد ؛ وقد خاطبنا أهل فلانة بما يذهب وجلهم ، ويبسط أملهم ، وعرّفناهم بأنكم لو علمتم من جار عليهم من الخدمة لأخذتم على يده وجازيتموه بسوء معتقده ، وأشعرناهم بأنّا قد استوصيناكم بهم خيرا ، ونبّهناكم على ما يدفع عنه ضيما ويرفع ضيرا ؛ وأنتم - إن شاء اللَّه - تستأنفون نظرا جميلا ، وتؤخّرون عنهم الخدمة الذين لا يسلكون من السياسة سبيلا ، وتقدّمون عليهم من تحسن فيهم سيرته ، وتكرم في تمشيته الرّفق علانيته وسريرته ، ومثلكم لا يؤكَّد عليه في مذهب تحسن عواقبه ، وغرض يوافقه القصد الاحتياطيّ ويصاحبه ، إن شاء اللَّه تعالى والسلام .

--> ( 1 ) وهي البلد المتظلم من سياسة المستخدمين به على الرعيّة . ( 2 ) الذين ينتقصونهم حقوقهم .