أحمد بن علي القلقشندي
34
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
إليه قصدنا ، وأن نعاجله بما حضر عندنا ، متوافرة الأعداد ، غنيّة عن الاستمداد ، غير مفتقرة إلى الازدياد ؛ ومع هذا فقد أمرنا أهل الجهات كلَّها باللَّحاق بنا ، وأن ينهض جميع أعدادهم من الخيل والبطل والرّماة على سبيلنا ومذهبنا ، لتكون الأيدي في هذه المصلحة العامّة واحدة ، والعقائد في دفع هذا الضرر عن الكافّة متعاقدة ، حتّى يذهب أثر هذه النكَّبة وعينها ( 1 ) ، ويزول عن بهجة الإحقاق والاتّفاق شينها ( 2 ) ؛ وإذا وجب على أهل هذه الجهات أن ينفروا في هذه الدّعاة خفافا وثقالا ، ويبادروا ركبانا ورجالا ، كان الوجوب في حقّكم وجوبين ، والفرض عليكم فرضين ؛ لما يخصّكم من هذه المصلحة التي أنتم أولى من يجتلي صورها ، ويجتني ثمرها ، ويجدّ في حاله واستقباله إثرها ؛ فليكن استعدادكم بحسب ذلكم ، واستوعبوا جميع أنجادكم ، من خيلكم ورماتكم ورجالكم ؛ وكونوا واقفين على قدم التأهّب إلى أن يكون الاجتياز من هنالكم ؛ إن شاء اللَّه تعالى والسلام » . الأسلوب الثاني ( أن تفتتح المكاتبة بلفظ « أما بعد » وهو على ضربين ) الضرب الأوّل ( أن تعقّب البعدية بالحمد للَّه ، ويؤتى على الخطبة إلى آخرها ، ثم يتخلَّص إلى المقصود ويختم بالسلام على نحو ما تقدّم ) كما كتب أبو عبد اللَّه بن الجيان ( 3 ) عن أبي عبد اللَّه بن هود ( 4 ) أيضا إلى أكابر
--> ( 1 ) العين : الحاضر من كل شيء ؛ يقال : بعته عينا بعين أي حاضرا بحاضر . وفي المثل : « لا تطلب أثرا بعد عين » . ( 2 ) الشّين : العيب والقبح ، وهو عكس الزين . ( 3 ) هو محمد بن محمد بن أحمد الأنصاري : محدّث راوية من الكتاب الشعراء ، من أهل « مرسية » . توفي في « بجاية » سنة 650 ه . ( الأعلام : 7 / 29 ) . ( 4 ) هو محمد بن يوسف بن هود ، من أعقاب بني هود الجذاميين من ملوك الطوائف : آخر ملوك هذه الدولة الكبار . تلقب بالمتوكل على اللَّه وخطب باسم المستنصر العباسي الخليفة ببغداد . استطاع أن يحوز شرقي الأندلس كله ، ورهبه النصاري وأطلقوا عليه اسم « تافادولا » - أي سيف الدولة - ثار عليه ابن الأحمر - محمد بن يوسف - داعيا للحفصيين أصحاب إفريقية وأطاعته قرطبة ؛ وقد ( تحالف ابن الحمر مع ملوك قشتالة ضد ابن هود وكان بينهما صراع طويل أدى إلى انقسام المسلمين في الأندلس . وقد استفاد من هذا الصراع ملوك قشتالة كما كان سببا في قيام مملكة غرناطة بقيادة الغالب باللَّه محمد بن يوسف بن نصر . وبموته سنة 635 ه انتهت دولة آل هود بالأندلس واستقر قدم ابن الأحمر . ( انظر الأعلام : 7 / 149 ومقدمة « الحلَّة السيراء » للدكتور حسين مؤنس . ص : 26 - 27 - 28 ) ) .