أحمد بن علي القلقشندي

33

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

اطَّلاعا على خبث سرّه ، وسوء مكره ، وما يضمر للمسلمين من إذايته وضرّه ؛ فمتى انصرفت وجوه المسلمين إلى جهادهم واشتغلوا بتأمين بلادهم ، انتهز الفرصة في فساد يحدثه ، وعقد ينكثه ، واستعجال ما يعجّل عليه ولا يلبّثه ؛ ونحن نعرض عنه إعراض من يرجو متابه ، ويرتقب رجوعه إلى الحق وإيابه ؛ وهو متخبّط في أهوائه ، مستمرّ على غلوائه ، مصرّ على إضراره واعتدائه ، لا يكفّ عنه من استطالته ، ولا يريه الاستبصار وجهة جهالته ، فوجب علينا بحكم النظر للبلاد التي لحقها عدوانه ، وأضرّ بها مكانه ، وتكرّر عليها امتحانه ، أن نعاجل حسم عللَّه ، ونسدّ مواقع خللَّه ، ونرد عليه كلّ مضرّة لاحقة من قبله ، حتّى يستريح الناس إلى أمن مبسوط ، وكنف ( 1 ) مضبوط ، وحوز ( 2 ) بالكفاية والوقاية محوط ؛ وقد كنّا عند الفراغ من مصالح البلاد الغريبة ، وانتهاء الفتح فيها إلى ما لم يدر بالخاطر ولم يحسب بالنّية ، نظرنا في إعداد جموع من أجناد الغرب ، وتخيّرنا منهم كلّ من درب بالطَّعن والضّرب ؛ وسعد لكم ( 3 ) من جماهير الأغراب ( 4 ) وجزولة ( 5 ) وسائر القبائل النازلين بالبلاد ، المتأهّبين لما يطلبون به من الغزو والجهاد ؛ ورسمنا لهم أن يلحقوا بنا عند الاستدعاء ، على ما جدّدنا لهم في الانتخاب والانتقاء ، لتأخذ الجموع كلَّها من محو أثر هذا الخائن بنصيب ، وتضرب فيه ، وفي كلّ عمل يعفّيه ، بسهم مصيب ؛ لكن لما تعجّل حركته التي تعجّل بها الحين ( 6 ) ، وساقه إليها القدر الذي أعمى البصيرة والعين ؛ رأينا أن ننفذ

--> ( 1 ) الكنف : جانب الشيء ، والجمع : أكناف . ( 2 ) الحوز من الأرضين : ما يحتازه إنسان لنفسه ويبيّن حدوده ويقيم عليه الحواجز فلا يكون لأحد حق فيه . وحوزة الإسلام : حدوده ونواحيه . ( 3 ) كذا في الأصل . ولعلها : « وأعددنا » بمعنى جهزنا . ( 4 ) المقصود من أهل المغرب . ( 5 ) قبيلة من بلاد السوس الأقصى بالمغرب ، كانت تسكن هي وقبيلة لمطة في المنطقة بين وادي ماسة ومدينة نول لمطة . ( الروض المعطار : 522 - 584 ) . ( 6 ) الحين : الهلاك .