أحمد بن علي القلقشندي
29
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الموت من القسيّ أن تعقّد أوتارها ؛ وبالمجانيق أن تعقد حناياها وتحلّ أزرارها ، وبالكواكب ( 1 ) أن تذيقهم طعم الصّغار كبارها ، إذ نادى مناد من أعلى قمّتها ، ورأس قلَّتها ( 2 ) ؛ معلنا بالأمان ، ناسخا لآية الكفر بآية الإيمان ؛ فأعارته الأسماع إنصاتها ، واستحقت القلوب حصاتها ؛ وعمدت إليه بنت بحر ، عادت باب نصر ، وساعة بدهر ؛ وبشّرني بغلام على كبر ، وبظفر في سفر على قدر ؛ فأعطى فرنجها ما طلبوا ؛ وأتى اللَّطف للمسلمين بما لم يحتسبوا ؛ وفي الحال رفعت عليها ألوية الإسلام ونشرت ، وأوت إليها فئة الحق وحشرت ، وتظاهرت عليها أولياء اللَّه وظهرت ؛ وقيل الحمد للَّه ربّ العالمين . الأسلوب الرابع ( أن تفتتح المكاتبة بلفظ : « كتابنا » وباقي الأمر على نحو ما تقدم ) وهذه نسخة كتاب من هذا الأسلوب كتب به القاضي الفاضل عن الملك الناصر « صلاح الدين يوسف بن أيوب » إلى بعض الأمراء بالشام عند وفاة السلطان نور الدين محمود . وهي : كتابنا هذا إلى الأمير ، معزّين بالرّزء الذي كملت أقسامه وتمّت ، ورمت أحداثه القلوب فأصمت ، وطرقت أحاديثه الأسماع فأصمّت ( 3 ) ، وأبى أن تعفو كلومه ( 4 ) ، وكاد لأجله الأفق تنكسف بدوره وتنكدر نجومه ، وثلم جانب الدّين لفقد من لولاه لدرست أعلامه ولم تدرس علومه ، وفجأ فاستولى على كلّ قلب وجيبه ( 5 ) وعلى كلّ خاطر وجومه ؛ بانتقال المولى « نور الدين » إلى سكنى دار السلام ، وقدومه على ما أعده اللَّه له من جزاء ذبّه ( 6 ) عن الإسلام ؛ وبكى أهله على فقد عزائمه
--> ( 1 ) الكوكب : الرجل بسلاحه ؛ والكوكب : السيف أيضا . ( 2 ) قلَّة كل شيء : قمته وأعلاه . ( 3 ) أصمت : أسكتت ؛ وأصمّت : ذهبت بالسمع . ( 4 ) عفت كلومه : التأمت جروحه . ( 5 ) وجب القلب وجيبا ووجبانا : خفق واضطرب ورجف . ( 6 ) الذبّ عن الشيء : الدفاع عنه وحمايته .