أحمد بن علي القلقشندي

30

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

التي بها حفظت وحرست ، وشكت الممالك وحشة بعده وإن ابتهجت الملائكة بقربه وأنست ؛ فللَّه هو ! من مصاب أغرى العيون بفيضها ، والنفوس بفيظها ( 1 ) ؛ ونقل الأولياء من ظل المسرّة ونعيمها إلى هجير المساءة وقيظها ؛ وأوجب تناجي الكفّار بالنّجاة من تلك السّطوة التي لم تزل تزيدها غمّا وتردّها بغيظها . ومهنئين بما أسا الكلم وداواه ، وحوى الحقّ إلى الجانب الأمنع وآواه ؛ من جلوس ولده « الملك الصالح » ( 2 ) ذي التصويب والتسديد مشمولا منّا بالعرف العميم ، والطَّول الجسيم ، جاريا على سننه المعهودة ، وعادته المحمودة ، في رفع صالح أدعيته عن صفاء سريرته ، وخلوص عقيدته ، مستمرّا على جميل تحيته ، في إمدادنا ببركته ، إن شاء اللَّه تعالى . قلت : والمصطلح الجاري عليه الحال في المكاتبات الصادرة عن ملوك الديار المصرية في زماننا مأخوذة من الأساليب الثلاثة : الأول والثاني والثالث المقدّم ذكرها . على أن في الدولة الأيوبية أساليب أخرى لا يسع استيعابها ، ويغتنى عنها بما تقدّم ذكره . الطرف الحادي عشر ( في المكاتبات الصادرة عن ملوك أهل الغرب ) وقد انفردوا عن كتّاب المشرق وكتّاب الديار المصرية بأمور : منها أن المخاطبة تقع للمكتوب إليه بميم الجمع مع الانفراد ، كما تقع الكتابة عن المكتوب عنه بنون الجمع مع الانفراد . ومنها أنهم يلتزمون الدعاء بمعنى الكتابة عند قولهم : كتبنا ، بأن يقال « كتبنا إليكم كتب اللَّه لكم كذا » .

--> ( 1 ) الفيظ : الموت . يقال : حان فيظه وفاظت نفسه . ( 2 ) هو إسماعيل بن نور الدين محمود بن زنكي . بويع له بالشام بعد وفاة أبيه سنة 569 ه وهو ابن إحدى عشرة سنة . وبذلك يتحدد تاريخ هذه الرسالة على وجه التقريب .