أحمد بن علي القلقشندي
23
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
السلطان « صلاح الدين يوسف بن أيوب » إلى أخيه سيف الإسلام سلطان اليمن ، يستقدمه إليه معاونا له على قتال الفرنج خذلهم اللَّه ! ويبشّره بفتح كوكب ( 1 ) ، وصفد ، والكرك في سنة أربع وثمانين وخمسمائة وهو : « أصدرنا هذه المكاتبة إلى المجلس ، ومما تجدّد بحضرتنا فتوح كوكب : وهي كرسيّ الاستباريّة ( 2 ) ودار كفرهم ، ومستقرّ صاحب أمرهم ، وموضع سلاحهم وذخرهم ؛ وكان بمجمع الطَّرق قاعدا ، ولملتقى السّبل راصدا ؛ فتعلَّقت بفتحه بلاد الفتح واستوطنت ، وسلكت الطَّرق فيها وأمنت وعمرت بلادها وسكنت ؛ ولم يبق في هذا الجانب إلا صور ، ولولا أن البحر ينجدها ، والمراكب تردها ؛ لكان قيادها قد أمكن ، وجماحها قد أذعن ؛ وما هم بحمد اللَّه في حصن يحميهم ، بل في سجن يحويهم ؛ بل هم أسارى وإن كانوا طلقاء ، وأموات وإن كانوا أحياء ؛ قال اللَّه عز وجل : * ( فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ) * ( 3 ) ولكلّ امرئ أجل لابدّ أن يصدقه غائبه ، وأمل لابدّ أن يكذبه خائبه - وكان نزولنا على كوكب بعد أن فتحت صفد بلد الديوية ومعقلهم ، ومشتغلهم وعملهم ، ومحلَّهم الأحصن ومنزلهم ؛ وبعد أن فتحنا الكرك وحصونه ؛ والمجلس السيفيّ ( 4 ) أسماه اللَّه أعلم بما كان على الإسلام من مؤونته المثقلة ، وقضيّته المشكلة ، وعلَّته المعضلة ؛ وأن الفرنج - لعنهم اللَّه - كانوا يقعدون منه مقاعد للسّمع ، ويتبوّأون منه مواضع للنّفع ، ويحولون بين قات ( ؟ ) وراكبها ، فيذلَّلون الأرض بما كانوا منه ثقلا على مناكبها ؛
--> ( 1 ) اسم قلعة على الجبل المطلّ على مدينة طبرية . ( معجم البلدان : 4 / 494 ) . ( 2 ) الأصوب « الإسبتارية » بتقديم الباء الموحدة على التاء المثناة ؛ وهم فرنجة Hospitalet ( كتالونية أو قطلونية ) ، وقد عرفوا بكونهم جماعة مقاتلة ؛ وكان لرئيس طائفتهم في إسبانيا ( Ordendel Hugo Folcalquer Hospital ) دور أساسي في التأثير على ملك أرغون خايمة الأول المعروف بالغازي Jaime I el Conquistador ودفعه للاستيلاء على بلنسية وما بقي للمسلمين في شرقي الأندلس ، إذ دخلت جيوشه بلنسية في سبتمبر 1238 م كما وصف ابن الأبار في الحلة السيراء . ( انظر الحلة السيراء : 2 / 127 و 305 ، حاشية ومعجم Petit Larousse ص 1419 ) . ( 3 ) مريم / 84 . ( 4 ) إشارة إلى أخيه سيف الإسلام .