أحمد بن علي القلقشندي
24
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
والآن ما أمن بلاد الهرمين ، بأشدّ من أمن بلاد الحرمين ؛ فكلَّها كان مشتركا في نصرة المسلمين بهذه القلعة التي كانت ترامي ولا ترام ، وتسامي ولا تسام ؛ وطالما استفرغنا عليها بيوت الأموال ، وأنفقنا فيها أعمار الرجال ، وقرعنا الحديد بالحديد إلى أن ضجّت النّصال من النّصال ؛ واللَّه المشكور على ما انطوى من كلمة الكفر وانتشر من كلمة الإسلام . وإنّ بلاد الشام اليوم لا تسمع فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما . وكان نزولنا على كوكب والشتاء في كوكبه ، وقد طلع بيمن الأنواء في موكبه ؛ والثلوج تنشر على البلاد ملاءها الفضيض ، وتكسوا الجبال عمائمها البيض ؛ والأودية قد عجّت بمائها ، وفاضت عند امتلائها ؛ وشمخت أنوفها سيولا ، فخرقت ( 1 ) الأرض وبلغت الجبال طولا ؛ والأوحال قد اعتقلت الطَّرقات ، ومشى المطلق فيها مشية الأسير في الحلقات ، فتجشّمنا العناء نحن ورجال العساكر ، وكاثرنا العدوّ والزمان وقد يحرز الحظَّ المكاثر ؛ وعلم اللَّه النية فأنجدنا بفضلها ، وضمير الأمانة فأعان على حملها ، ونزلنا من رؤوس الجبال بمنازل كان الاستقرار عليها أصعب من ثقلها ، والوقوف بساحتها أهون من نقلها ؛ * ( وأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) * ( 2 ) . والحمد للَّه ربّ الذي ألهمنا بنعمته الحديث ، ونصر بسيف الإسلام الذي هو سيفه وسيف الإسلام الذي هو أخونا الطيب على الخبيث ؛ فمدح السيف ينقسم على حدّيه ، ومدح الكريم يتعدّى إلى يديه ؛ والآن فالمجلس - أسماه اللَّه - يعلم أن الفرنج لا يسلون ( 3 ) عما فتحنا ، ولا يصبرون على ما جرحنا ؛ فإنهم - خذلهم اللَّه - أمم لا تحصى ، وجيوش لا تستقصى ؛ ووراءهم من ملوك البحر من يأخذ كلّ سفينة غصبا ( 4 ) ، ويطمع في كل مدينة كسبا ؛ ويد اللَّه فوق أيديهم ، واللَّه محيط
--> ( 1 ) إشارة إلى الآية الكريمة « إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا » . الإسراء / 37 . ( 2 ) الضحى / 11 . ( 3 ) لا يتغاضون ولا ينسون . ( 4 ) إشارة إلى الآية : 79 من سورة الكهف .