أحمد بن علي القلقشندي
15
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
كان محمودا في أمره ، رغب في محبته ، لأن الخيّر أهل أن يحبّ حيث كان ، فإن كنت إنما تؤهّل لمكاتبتك ومماثلتك من اتسعت مملكته ، وعظمت دولته ، وحسنت سيرته ؛ فهذه ممالك عظيمة ، واسعة جمّة ، وهي أجل الممالك التي ينتفع بها الأنام ، وسرّ الأرض المخصوصة بالشرف ، فإنّ اللَّه قد جمع لنا الشرف كلَّه ، والولاء الذي جعل لنا من مولانا أمير المؤمنين أطال اللَّه بقاءه ، مخصوصين بذلك إلى مالنا بقديمنا وحديثنا وموقعنا . والحمد للَّه رب العالمين الذي جمع لنا ذلك بمنّه وإحسانه ، ومنه نرجو حسن السعي فيما يرضيه بلطفه . ولم ينطو عنك أمرنا فيما اعتمدناه . وإن [ كنت ] تجري في المكاتبة على رسم من تقدّمك فإنك لو رجعت إلى ديوان بلدك ، وجدت من كان تقدّمك قد كاتب من قبلنا من لم يحلّ محلَّنا ، ولا أغنى غناءنا ، ولا ساس في الأمور سياستنا ، ولا قلَّده مولانا أمير المؤمنين أطال اللَّه بقاءه ما قلَّدنا ، ولا فوّض إليه ما فوّض إلينا ؛ وقد كوتب أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون ، وآخر من كوتب تكين مولى أمير المؤمنين ولم يكن تقلد سوى مصر وأعمالها . ونحن نحمد اللَّه كثيرا أوّلا وآخرا على نعمة التي يفوت عندنا عددها عدّ العادّين ، ونشر الناشرين . ولم نرد بما ذكرناه المفاخرة ، ولكنا قصدنا بما عددنا من ذلك حالات : أوّلها التحدّث بنعمة اللَّه علينا ؛ ثم الجواب عما تضمّنه كتابك من ذكر المحلّ والمنزلة في المكاتبة ، ولتعلم قدر ما بسطه اللَّه لنا في هذه المسالك ، وعندنا قوّة تامة على المكافأة على جميل فعلك بالأسارى ، وشكر واف لما توليهم وتتوخّاه من مسرّتهم إن شاء اللَّه تعالى وبه الثقة ، وفّقك اللَّه لمواهب خيرات الدنيا والآخرة ، والتوفيق للسّداد في الأمور كلها ، والتيسير لصلاح القول والعمل الذي يحبه ويرضاه ويثيب عليه ، ويرفع في الدنيا والآخرة أهله ، بمنّه ورحمته . وأما الملك الذي ذكرت أنه باق على الدهر لأنه موهوب لكم من اللَّه خاصّة ، فإنّ الأرض للَّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين . وإن الملك كلَّه للَّه يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء بيده الخير وإليه المصير ، وهو على كل شيء قدير . وإن اللَّه عزّ وجل نسخ ملك