أحمد بن علي القلقشندي

105

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

عبدكم الذي خلص إبريز عبوديّته لملك ملككم المنصور ، المعترف لأدنى رحمة من رحماتكم بالعجز عن شكرها والقصور ، الداعي إلى اللَّه سبحانه أن يقصر عليكم سعادة القصور ، ويذلَّل بعز طاعتكم أنف الأسد الهصور ، ويبقي الملك في عقبكم إلى يوم ينفخ في الصّور . فلان . من الضّريح المقدّس ( 1 ) : وهو الذي تعدّدت على المسلمين حقوقه ، وسطع نوره وتلألأ شروقه ، وبلغ مجده السماء لمّا بسقت فروعه ورسخت عروقه ، وعظم بتبوّئكم فخره فما فوق البسيطة فخر يفوقه ، حيث الجلال قد رست هضابه ، والملك قد سترت بأستار الكعبة الشريفة قبابه ، والبيت العتيق قد ألحفت الملاحد الإمامية أثوابه ، والقرآن العزيز ترتّل أحزابه ، والعمل الصالح يرتفع إلى اللَّه ثوابه ، والمستجير يخفي باطنه سؤاله فيجهر بنعرة العزّ جوابه ؛ وقد تفيّأ من أوراق الذكر الحكيم حديقة ، وخميلة أنيقة ، وحطَّ بجوديّ ( 2 ) الحقّ نفسا في طوفان الضّرّ غريقة ، والتحف برق الهيبة الذي لا تهتدي للنفس فيها إلا بهداية اللَّه طريقة ، واعتزّ بعزّ اللَّه وقد توسّط جيش الحرمة المرينيّة حقيقة ، إذ جعل المولى المقدّس المرحوم أبا الحسن مقدّمه وأباه وجدّه سقاه المولى الكريم بهذا المجد سيب رحماه ، وطنّب عليه من الرّضا فسطاطا ، وأعلى به يد العناية المرينيّة اهتماما واغتباطا ، وحرّر له أحكام الحرمة نصّا جليّا واستنباطا ، وضمن له حسن العقبى التزاما واشتراطا ؛ وقد عقد البصر بطريق رحمتكم المنتظرة المرتقبة ، ومدّ اليد إلى اللطائف بشفاعتكم التي تتكفّل بعتق المال كما تكفّلت بعتق الرّقبة ، وشرع في

--> ( 1 ) ويقصد ضريح أبي الحسن المريني والد السلطان أبي عنان ، كما سبقت الإشارة . وربما يفهم من نص ابن الخطيب ومن مقدمة القلقشندي أن صدور الكتاب من بلاد الأندلس . هذا وقد ذكر صاحب الأعلام أن ابن المنصور المريني ، أبا عنان ، قد دفن والده في مراكش ثم نقله إلى مقابرهم بفاس ومنها إلى ضريحه بشالة . وشالة هذه أو سلا مدينة بأقصى المغرب ليس بعدها معمور إلا مدينة صغيرة يقال لها غرنيطوف . ( انظر الأعلام 4 / 311 ومعجم البلدان : 3 / 231 ) . ( 2 ) الجوديّ جبل مطلّ على جزيرة ابن عمر في الجانب الشرقي من دجلة من أعمال الموصل ، ويقال أن عليه استوت سفينة نوح عليه السّلام . والاستعمال هنا على سبيل الاستعارة .