أحمد بن علي القلقشندي
106
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
المراح بميدان نعمكم بعد اقتحام هذه العقبة ؛ لما شنفت الآذان البشرى التي لم يبق طائر إلا سجع بها وصدح ، ولا شهاب دجنّة إلا اقتبس من نورها واقتدح ، ولا صدر إلا انشرح ، ولا غصن عطف إلا مرح ؛ بشرى الفتح القريب ، وخبر النّصر الصحيح الحسن الغريب ، ونبأ الصّنع العجيب ، وهداية السميع المجيب : فتح تلمسان ( 1 ) الذي قلَّد المنابر عقود الابتهاج ، ووهب الإسلام منيحة النصر غنيّة عن الهياج ، وألحف الخلق ظلَّا ممدودا ، وفتح باب الحجّ وكان مسدودا ، وأقرّ عيون أولياء اللَّه الذين يذكرون اللَّه قياما وقعودا ، وأضرع بسيف الحقّ جباها أبيّة وخدودا ، وملَّككم حقّ أبيكم الذي أهان عليه الأموال ، وخاض من دونه الأهوال ، وأخلص في الضّراعة والسّؤال ، من غير كدّ يغمز عطف المسرّة ، ولا جهد يكدّر صفو النعم الثّرّة ، ولا حصر ينفض به المنجنيق ذؤابته ، ويظهر بتكرّر الركوع إنابته . فالحمد للَّه الذي أقال العثار ، ونظم بدعوتكم الانتشار ، وجعل ملككم يجدّد الآثار ويأخذ الثار ( 2 ) والعبد يهنيء مولاه ، بما أنعم اللَّه عليه وأولاه ؛ وما أجدره بالشّكر وأولاه ! فإذا أجال العبيد السّرور فللعبد المعلَّى والرّقيب ( 3 ) ، وإذا استهموا ( 4 ) حظوظ الجذل فلي القسم الوافرة والنصيب ؛ وإذا اقتسموا فريضة شكر
--> ( 1 ) كان والده ، أبو الحسن المريني ، قد فتح تلمسان وانتزعها من بني زيان سنة 735 ه . ولكن بني زيان استعادوها منه مستغلين انشغاله في حروبه مع قبائل العرب بإفريقية ( قبائل زناتة ) وفي حربه مع ابنه أبي عنان الذي انقلب عليه . ولما مات أبو الحسن سنة 752 ه استتبّ الأمر لأبي عنان وبدأ باخضاع بني عبد الواد ، أمراء زناته بتلمسان ، فقاتلوه فظفر بهم ودخل تلمسان وانتظم له أمر المغرب الأوسط . ( انظر الأعلام : 4 / 311 و 5 / 127 ) . ( 2 ) أي ثأر لأبيه . انظر الحاشية السابقة . ( 3 ) القداح : من ألعاب الميسر ويقال لها أيضا الأزلام والأقلام . والقدح المعلى : الحظ الأوفر ، وهو سابع سهام الميسر ، له سبعة أنصباء عند الفوز وعليه مثلها إن لم يفز . والرقيب : ثالث سهام الميسر ، له غنم ثلاثة أنصباء إن فاز وعليه غرم مثلها إن لم يفز . والرقيب أيضا هو المشرف على لعبة القداح يضبط حدودها ويراعي قوانينها . ( انظر : بلوغ الأرب للآلوسي : 3 / 53 وما بعدها ) . ( 4 ) استهموا وتساهموا الشيء : تقاسموه .