أحمد بن علي القلقشندي
101
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
للصّعب الجموح ، فكان الغزير الصيّب ، والكثير الطيّب ؛ والمتّبع إن مضى بقلوب وأسماع ، والمضاعف حسنه إن كرّر إلى غير انقطاع . كيف لا ؟ وقد بشّر خبره بالمراد في المراد ( 1 ) ، وأوقع اليقين بما خرق العادات من الإسعاف والإسعاد ، وكان من آحاد الاخبار لا من أخبار الآحاد ( 2 ) ؛ ومما اقتصّه ما جرى من أوائل الحركة السعيدة ، واعترض من المتاعب الشديدة ؛ وأن الشتاء كان في ابتدائه ، والغيم ساحب لردائه ، ساكب فضل أندائه . والمكاره في طيّها النّعم الجسام ، والنفوس الكبار تتعب في مرادها الأجسام ؛ ولذلك هانت على المقام العلي - أيده اللَّه - تلك المشاقّ ، ورجّى من عمله ونظره ما جنى من ثمرة العاقّ ؛ فسار إليه بالجحفل الأحفل ، والعزيمة الزعيمة بفضّ المقفل ، ورضّ الأعلى والأسفل ؛ وقد اعتزّ بأجلّ المدائن شانا ، وأوثقها بنيانا ، وأبعدها صيتا ومكانا ؛ وهي التي أعيت رياضتها كلّ رائض ، وسخرت بكلّ قاعد بقنونها ( 3 ) رابض ؛ وجمع إليها من طرد الآفاق ، وأعداد الاجتماع والاتّفاق ، أتباع كلّ ناعق ، وأشياع كل مارد مارق ، فاستحلَّوا الدماء ، وركبوها مضلَّة عمياء ، وأدرك كلّ منهم مما شاء للإسلام ما شاء ، وعدوّ اللَّه يفتل لهم في الذّروة والغارب ( 4 ) ، ويضرب لهم سكَّان البلد ضرب الغرائب ؛ حتّى أباد خضراءهم ، وجعلهم شرّ خلف فيمن وراءهم ؛ غير مبال بما احتقب من الجرائر ( 5 ) ، واقترف من إباحة الحرائر ، فاجترأ مدّة بالجلاء ، وازداد إثما بالإملاء ؛ وحينئذ سمت إليه عساكر الإسلام ، وناولته بالموت الزّؤام ، ورأى عيانا ما كان يطير
--> ( 1 ) لعله الحصن الذي أشرنا إليه سابقا . ( 2 ) آحاد الأخبار : أي الأخبار المتفردة المتميزة بوقعها وأهميتها . أما أخبار الآحاد فهي إشارة إلى نوع من رواية الأحاديث النبوية . والحديث النبوي هو الخبر المرفوع إليه . والحديث الآحادي - في الاصطلاح - ما لم يجمع شروط التواتر . وقد يتفرد به واحد فيكون غريبا ، أو يعزر برواية اثنين فأكثر فيكون عزيزا ، أو يستفيض فيكون مشهورا . فلا يفيد وصفه بالآحادي أنه خبر الواحد دائما . ( أنظر : علوم الحديث ومصطلحه : ص 10 - 150 ) . ( 3 ) القنة ، بالضم ، الجبل الصغير أو الجبل السهل المنبسط على الأرض . والجمع : قنن وقنان وقنون . ( 4 ) الغارب : الكاهل ؛ وهو أعلى كل شيء . ( 5 ) احتقب من الجرائر : ارتكب من الذنوب والآثام .