أحمد بن علي القلقشندي

102

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

إليه قلبه لو رآه في المنام ؛ وتداولته المطاولة المستدرجة ، والعاجلة المزعجة ؛ وفي كلّ ذاق عذاب الهون ، فأحسّ بقاصمة المتون وقاضية المنون ؛ وانقسمت شدّته إلى المهلكين : خوف وإعدام ، واستكملت تسعة أشهر وكان الفتح عندها لتمام ؛ وإنه للولد الذي هنّيء به الإسلام ، وضنّت بمثله الأيام ، واستبشر بوجوده الأنام ؛ فما أعلى مقامه ! وأبهج يومه وأسعد عامه ! ولا غرو أن تكون غرّته أبهى الغرر ، ومفتتحه مباركا كالبشر ؛ وقد أسفر عن أيمن وجه النّجح ، وخرج من عموم الأيام بمخصّص هذا الفتح ؛ وانتقم اللَّه فيه من الشقيّ الظالم ، العظيم الجرأة على ارتكاب المظالم ؛ فطاح بموبق أعماله ، وعجّل اللَّه به إلى ما أعدّ لأمثاله ؛ وكان دمه شرّ دم أريق ، وأديمه أخبث أديم لاقى التمزيق . والحمد للَّه الذي نصر الراية العباسيّة وأعلاها ، وأظهر آية عنايته وجلَّاها ، وأسبغ نعمه الجسيمة ووالاها . وحين ورد هذا النبأ العظيم [ كان ] أندى من قطر النّدى على الأكباد ، وسرى في البلاد سريان الأرواح في الأجساد ، وكلفت به الأسماع والأسمار ، وسمت به وإليه الأمصار والأبصار ؛ واستقرّ من ارتجاع البلد ، وانتزاع النفس الذاهبة إلى جري الأبد ، حكمان مدركهما الفعل والإقرار ، وعملان تمّ بهما المراد والاختيار ؛ فرفعت الأدعية إلى سامعها ، وغصّت الأندية بحاضري مجامعها ؛ وذاع بالبشرى فيا حسن ذائعها وشائعها ، وأذعنت الآمال لإدناء نازحها وشاسعها ، وأخذ العبد من المسرّة بحظَّ أخلص العبيد مشهدا ومغيبا ، وأجمعهم لمعالي الجدّ تطنيبا ، ولمعاني الثناء والحمد تطييبا ، وجدّد من شكر الواهب لجزيل هذه الهبة ، والفاتح لأعظم المعاقل الأشبة ( 1 ) ما يستغرق المدد ، ولا يبلغ الأمد ؛ وأنّى [ لمثلي ] أن يصف البشرى الواصلة ، أو ينصف المقالة المتطاولة ، ولو حلب أشطر الإحسان ( 2 ) ، وجلب أبحر البيان ؛ وكيف والفكر قد قعد حصرا ، والمدى لا

--> ( 1 ) يقال : أشب الشجر فهو أشب : أشتد التفافة وكثر حتى لا مجاز فيه . وتأشّب القوم : تجمعوا . والمراد : القلاع الحصينة التي تستعصي على الأخذ والاختراق . ( 2 ) يقال : حلب الدهر أشطره : خبره وتمرّس بخيره وشرّه . وللناقة شطران : قادمان وآخران ، فكل خلفين شطر .