أحمد بن علي القلقشندي
100
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الحضرة العلية أبقى اللَّه ظلّ ملكها على العباد ، وعرّفها من تأييده وإنجاده أفضل المعتاد ، وجعل لها من الملجأ إليه والتوكل عليه أكثر الجموع وأكثف الأعداد ، ولا زالت أحاديث نصرها سالمة المتون صحيحة الإسناد ، وصحائف فتوحها تجمع صلاح العباد ، وتطلع صباح البشائر من ليل المراد ؛ عبدها ومملوكها ، السالك من الخدمة والنصيحة الطريق التي يجب سلوكها ، فلان . وبعد : فكتب العبد - كتب اللَّه للمقام العليّ المجاهديّ المتوكَّليّ سعدا يردّ الصّعاب ذللا ، ويسدّ من المكاره سبلا ؛ وأمدّه بملائكة رسله جاعل الملائكة رسلا - من فلانة وبركاته مروية للظماء وحركاته مسكَّنة للدّهماء ، وآثاره في يومي سلمه وحربه آثار الأشدّاء على الكفّار والرّحماء ؛ والأرض بوضوح محيّاه ، وفتوح أسنّته وظباه ، تهتزّ أعطافا ، وتعتزّ مواسط وأطرافا ، وتبرز في أثوابها القشب فيزداد حسنها أضعافا ؛ والأيّام بالبشائر التي فضّت ختامها عفوا ( 1 ) على قدر ، وقضت مسامها صفوا بلا كدر ؛ لها أنف الشامخ تيها ، ووجه الضاحك المتهلَّل إشادة بحالها وتنويها ، ودلالة على رحب مجالها وتنبيها . والحمد للَّه حمد من عرف قدر نعمائه فوفّى حقّ أسمائه تقديسا وتنزيها . وإن الخطاب العليّ الكريم ورد راصفا أجلّ الدّرر ، واصفا أجمل الفتوح الغرر ، رافلا في حلل الأيد ( 2 ) والقهر ، رافعا منسأة ( 3 ) الحوادث بإحدى حسنات الدهر ؛ فيا له من كتاب ! أودع بدائع الكلم ، وجوامع البيان الملتئم المنتظم ؛ لو استمدّ سناءه أوّل الفلقين لم يك كاذبا ، ولو أعير محيّاه ثاني الشفقين كان عن ضوء النهار نائبا ؛ ذكَّر بأيّام اللَّه المشهودة بالملائكة والرّوح ، ومدّ باع الكلام في فتح الفتوح ؛ وأطال ذيول القول مفتاحا منه
--> ( 1 ) العفو : المعروف . ( 2 ) الأيد : القوة . ( 3 ) المنسأة : العصا الغليظة تكون عادة مع الراعي . وفي التنزيل العزيز : « ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته » : سبأ / 14 .