أحمد بن علي القلقشندي
16
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
واعلم أنّه كان قد وقع في تلقيب الملوك بهذا اللَّقب نزاع بين العلماء في سلطنة السلطان « جلال الدولة » ( 1 ) السّلجوقيّ في سنة تسع وعشرين وأربعمائة كما حكاه ابن الأثير في تاريخه « الكامل » ( 2 ) وذلك أن السلطان جلال الدولة كان قد سأل أمير المؤمنين ( القائم بأمر اللَّه ) الخليفة يومئذ في ( 3 ) أن يخاطب بملك الملوك فامتنع ، فكتب فتوى للفقهاء في ذلك ، فكتب ( 4 ) القاضي أبو الطيّب الطبريّ ، والقاضي أبو عبد اللَّه الصّيمريّ ، والقاضي ابن البيضاويّ ، وأبو القاسم الكرخيّ بجوازه ، ومنع ( 5 ) منه أقضى القضاة أبو الحسن الماورديّ ، وجرى بينه وبين من أفتى بجوازه مراجعات ، وخطب لجلال الدولة ب « ملك الملوك » . وكان الماورديّ من أخصّ الناس بجلال الدولة ، وكان يتردّد إلى دار المملكة كلّ يوم ، فلما أفتى في ذلك ( 6 ) بالمنع ، انقطع ولزم بيته خائفا ، وأقام منقطعا من شهر رمضان إلى يوم النحر ، فاستدعاه جلال الدولة ، فحضر خائفا ، فأدخله عليه وحده ، وقال له : قد علم كلّ أحد أنك من أكثر الفقهاء مالا وجاها وقربا منا وقد خالفتهم فيما خالف هواي ، ولم تفعل ذلك إلا لعدم المحاباة منك واتّباع الحقّ ، وقد بان لي موضعك من الدّين ومكانك من العلم ، وجعلت جزاء ذلك إكرامك بأن أدخلتك إليّ وحدك ، وجعلت إذن الحاضرين إليك ، ليتحقّقوا عودي إلى ما تحب . فشكره ودعا له وأذن لكل من حضر للخدمة بالانصراف ( 7 ) .
--> ( 1 ) هو أبو طاهر بن بهاء الدولة بن بويه الديلمي ، صاحب العراق ، خطب له ببغداد في سنة 418 ه حيث دخلها من البصرة ثالث عشر من رمضان . توفي سنة 435 ه . انظر البداية والنهاية ( ج 12 ص 51 - 52 ) والكامل في التاريخ ( ج 9 ص 361 - 459 ) وصفحات أخرى متفرقة . ( 2 ) الكامل في التاريخ ( ج 9 ص 459 ) . ( 3 ) في المصدر : « ليخاطب » . ( 4 ) في المصدر السابق : « فأفتى » . ( 5 ) في المصدر السابق : « وامتنع منه قاضي القضاة » . ( 6 ) في المصدر السابق : « فلما أفتى بهذه الفتيا » . ( 7 ) في الكامل في التاريخ ( ج 9 ص 460 ) : « للخدمة والانصراف » .