أحمد بن علي القلقشندي
414
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الجملة الثانية ( في أصل وضع الألقاب والنّعوت المؤدّية إلى المدح ) واعلم أن ألقاب المدح ونعوته لم تزل واقعة على أشراف الناس وجلَّة الخلق في القديم والحديث ؛ فقد ثبت تلقيب إبراهيم عليه السّلام ب « الخليل » وتلقيب موسى عليه السّلام ب « الكليم » وتلقيب عيسى عليه السّلام ب « المسيح » وتلقيب يونس عليه السّلام ب « ذي النّون » وكان النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يلقّب قبل البعثة ب « الأمين » ووردت التواريخ بذكر ألقاب جماعة من العرب في الجاهليّة : كذي يزن ، وذي المنار ، وذي نواس ، وذي رعين ، وذي جدن ، وغيرهم مما هو مشهور شائع . وكذلك وقعت ألقاب المدح على كثير من عظماء الإسلام وأشرافه كالصحابة رضوان اللَّه عليهم فمن بعدهم من الخلفاء والوزراء وغيرهم : فكان لقب أبي بكر « عتيقا » ثم لقّب ب « الصّدّيق » بعد ذلك ، ولقب عمر « الفاروق » ولقب عثمان « ذا النّورين » ولقب عليّ « حيدرة » ولقب حمزة بن عبد المطلب « أسد اللَّه » ولقب خالد بن الوليد « سيف اللَّه » ولقب عمرو بن عمرو « ذا اليدين » ولقب مالك بن التّيّهان الأنصاريّ « ذا السّيفين » ولقب خزيمة بن ثابت الأنصاريّ « ذا الشّهادتين » ولقب جعفر بن أبي طالب بعد استشهاده « ذا الجناحين » . وأما الخلفاء ، فخلفاء بني أميّة لم يتلقب أحد منهم ، فلما صارت الخلافة إلى بني العبّاس وأخذت البيعة لإبراهيم بن محمد ، لقّب ب « الإمام » ثم تلقب من بعده من خلفائهم : فتلقب محمد بن عليّ ب « السّفّاح » لكثرة ما سفح من دماء بني أميّة . واختلف في لقبه بالخلافة : فقيل « القائم » وقيل « المهتدي » وقيل « المرتضي » وألقاب الخلفاء بعده وإلى زماننا معروفة مشهورة على ما مرّ ذكره في المقالة الثانية . وعلى ذلك كانت ألقاب خلفاء بني أميّة بالأندلس إلى حين انقراضهم على ما هو مذكور في مكاتبة صاحب الأندلس ، على ما سيأتي في المكاتبات في المقالة الرابعة إن شاء اللَّه تعالى . ثم تعدّت ألقاب الخلافة إلى كثير من ملوك الغرب بعد ذلك ، وتلا الخلفاء