أحمد بن علي القلقشندي

408

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

يكنّى به ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الولد ذكرا أو أنثى ، فيجوز تكنية الرجل بأبي فلانة كما يجوز بأبي فلان . فقد تكنّى جماعة من أفاضل السّلف من الصحابة والتابعين رضي اللَّه عنهم بأبي فلانة ، فمن الصحابة أبو ليلى : والد عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وأبو فاطمة الليثيّ ، وأبو مريم الأزديّ ، وأبو رقيّة تميم الداريّ ، وأبو زرعة المقداد بن معدى كرب . ومن التابعين أبو عائشة مسروق بن الأجدع وخلائق لا يحصون . وإن كان له أولاد يكنّى بأكبرهم : فقد كان النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يكنّى بأبي القاسم ، وكان القاسم أكبر بنيه . وفي سنن أبي داود والنّسائيّ عن شريح الحارثيّ أنه وفد على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم مع قومه فسمعهم يكنّونه بأبي الحكم ، فدعاه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : إنّ اللَّه هو الحكم وإليه الحكم ! فلم تكنّى أبا الحكم ؟ - فقال : إنّ قومي اختلفوا في شيء فأتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين - فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : ما أحسن هذا ! فما لك من الولد ؟ - قال : شريح ، ومسلم ، وعبد اللَّه - قال : فمن أكبرهم ؟ - قال - شريح - قال : فأنت أبو شريح » . فلو تكنّى بغير أولاده فلا بأس به قاله النوويّ . ثم قال : وهذا الباب واسع لا يحصى من يتّصف به . وقد اختلف في جواز التكنّي بأبي القاسم : فنص الشافعيّ رضي اللَّه عنه على أنّه لا يجوز التكنّي بذلك مطلقا ، لما ورد أنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال « تسمّوا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي » . وذهب ذاهبون إلى تخصيص ذلك بحياته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم احتجاجا بأن المنع فيه كان لعلَّة : وهي أن اليهود كانوا ينادون يا أبا القاسم ! فإذا التفت النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قالوا : لم نعنك ، قصدا لإيذائه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وقد زالت هذه العلَّة بوفاته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، واختاره النوويّ من أصحابنا الشافعية . وذهب آخرون إلى تخصيص المنع بما إذا جمع لواحد بين الاسم والكنية ، بأن يتسمّى محمدا ويتكنّى بأبي القاسم ، بخلاف ما إذا لم يكن اسمه محمدا فإنه يجوز ، وهو وجه قويّ . الحال الثاني - أن لا يكون للرجل ولد بأن لم يولد له ولد أصلا ، قال